
غزة تغرق مع أول منخفض
08 نوفمبر, 2026 02:15 مساءً
فتح ميديا-غزة
لم تكن الأمطار التي هطلت على قطاع غزة مع أول منخفض جوي هذا الموسم مجرد حالة طقس عابرة، بل تحولت خلال ساعات إلى كارثة إنسانية جديدة، أعادت آلاف العائلات النازحة إلى مواجهة مشاهد الغرق والتشرد وفقدان ما تبقى لديها من مقومات الحياة.
في ظل خيام مهترئة ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط وسائل الحماية، وعجز واضح في إمكانات الإنقاذ والاستجابة.
وخلال 12 ساعة فقط من بدء تأثير المنخفض الجوي، غرقت نحو 70 ألف خيمة تؤوي النازحين في مختلف مناطق القطاع، وفق المكتب الإعلامي الحكومي، الذي قدّر الخسائر الأولية المباشرة بنحو 3 ملايين دولار، محذراً من أن الأضرار التي خلفتها الأمطار والرياح تنذر بتداعيات أشد مع توالي المنخفضات الجوية ودخول فصل الشتاء.
ولم تقتصر الأضرار على الخيام، إذ تسببت الأمطار في غرق مخيمات بأكملها ومراكز إيواء ومناطق سكنية، فيما تسربت المياه إلى أماكن إقامة العائلات وأتلفت الفرش والأغطية والملابس والمقتنيات الأساسية، واضطرت أسر إلى مغادرة خيامها والبحث عن أماكن بديلة، وسط نقص حاد في المأوى والإمكانات المتاحة.
حجم الكارثة
وتظهر الحصيلة الأولية لتداعيات المنخفض حجم الضغط الذي واجهته المنظومة الإنسانية والخدماتية في القطاع، إذ أعلن الدفاع المدني تلقي 2166 نداء استغاثة منذ بدء المنخفض، لم تتمكن طواقمه، بالتعاون مع البلديات والجهات المختصة، من تلبية سوى 218 نداء منها، بسبب كثافة البلاغات ومحدودية المعدات والإمكانات.
وقدّر الدفاع المدني عدد المتضررين من تداعيات المنخفض بنحو 350 ألف شخص، فيما وصل منسوب المياه في بعض المناطق إلى نحو متر ونصف المتر، وسجلت مدينة غزة هطول قرابة 60 مليمتراً من الأمطار، بما يعادل نحو 15% من المعدل السنوي.
كما شهد القطاع انهيارات جزئية في ثلاثة مبانٍ بمناطق متفرقة، بينها مخيم النصيرات وحي الزيتون ووسط مدينة غزة، وسط تحذيرات من أن أكثر من ألفي مبنى متضرر وآيل للسقوط لا تزال تشكل خطراً على حياة السكان، في ظل وجود نحو 20 ألف مواطن يقيمون في مبانٍ مهددة بالانهيار، وفق تقديرات سابقة لوزارة التنمية الاجتماعية استناداً إلى بيانات الدفاع المدني.
وفي مؤشر إضافي على حجم الخسائر، قدّر المكتب الإعلامي الحكومي الأضرار الأولية المباشرة الناجمة عن المنخفض بنحو 3 ملايين دولار، تشمل الأضرار التي لحقت بمخيمات النزوح والخيام وممتلكات المواطنين.
شتاء يقترب ومخاطر تتسع
وتأتي هذه التداعيات في وقت كان القطاع يستعد فيه لاستقبال فصل الشتاء وسط تحذيرات مسبقة من عدم جاهزية مواقع النزوح لمواجهة الأمطار والرياح والفيضانات.
فبحسب تقديرات لجنة الطوارئ الشتوية في غزة، يحتاج القطاع بصورة عاجلة إلى نحو 200 ألف خيمة، فيما تشير بيانات سابقة إلى أن نحو 1.5 مليون نازح يواجهون مخاطر مرتبطة بالأحوال الجوية، بينهم قرابة 950 ألفاً يقيمون في مواقع متوسطة وعالية الخطورة من حيث التعرض للسيول وتجمع مياه الأمطار.
كما أن نحو 7800 خيمة موجودة في مواقع خطرة تحتاج إلى نقل عاجل، في وقت تستخدم فيه قرابة ألف عائلة مواقع نزوح معرضة للفيضانات في ستة تجمعات بخان يونس، فضلاً عن وجود نحو ألفي مبنى غير آمن تقيم فيها عائلات نازحة.
ولا تتوقف المخاطر عند غرق الخيام، إذ إن تضرر شبكات الصرف الصحي وضعف تصريف مياه الأمطار وتراكم القمامة والركام، يرفع احتمالات اختلاط مياه الأمطار بالمياه العادمة، ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، خصوصاً بين الأطفال والرضع وكبار السن والمرضى.
وتزداد هذه المخاطر مع استمرار تراجع الخدمات الأساسية، وتضرر البنية التحتية، ونقص الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي والاستجابة للطوارئ.
الدفاع المدني: نداءات الاستغاثة تفوق قدراتنا
وحذر المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل من التداعيات الإنسانية للمنخفض، مؤكداً أن عشرات مخيمات النزوح ومراكز الإيواء غرقت بمياه الأمطار، وأن طواقم الإنقاذ لم تتمكن من الاستجابة إلا لجزء محدود من نداءات الاستغاثة الواردة إليها.
وأشار بصل إلى أن طواقم الدفاع المدني تواجه نقصاً حاداً في المعدات والآليات اللازمة للتعامل مع الأضرار، محذراً من أن أكثر من ألفي مبنى معرض للانهيار فوق رؤوس قاطنيه ما لم تتوفر المعدات اللازمة للتعامل معها.
وفي تصريح لاحق، قال بصل إن المنخفض بدأ بالانحسار، مع توقع هطول أمطار أقل حدة خلال الساعات التالية، مشيراً إلى احتمال مرور نحو عشرة أيام دون منخفضات جوية، وداعياً المواطنين إلى الاستعداد للمنخفضات المقبلة قدر المستطاع، ومطالباً المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتقديم الإغاثة والخدمات اللازمة.
70 ألف خيمة غرقت خلال 12 ساعة
من جانبه، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة غرق نحو 70 ألف خيمة خلال 12 ساعة من بدء المنخفض، إلى جانب انهيار عشرات الجدران وتسجيل إصابات متفاوتة، بينها إصابات خطيرة.
وحذر المكتب من مخاطر انهيار المباني المتصدعة والآيلة للسقوط، محملاً الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن التداعيات الكارثية، في ظل استمرار القيود على إدخال مواد الإيواء والإعمار الأساسية التي يحتاجها السكان.
وطالب المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدولية بالتدخل الفوري، وتوفير مقومات الحماية والإيواء للنازحين، وعدم الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الأضرار.
الخيام لم تعد توفر الحماية
وكانت وزارة التنمية الاجتماعية قد حذرت، قبيل بدء موسم الأمطار، من دخول مئات آلاف الأسر النازحة شتاءً جديداً داخل خيام ومساكن مؤقتة فقدت قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحماية.
وأكدت الوزارة أن الخيام التي أُنشئت أساساً كحل طارئ لأيام أو أسابيع لا يمكن أن تتحول إلى مساكن لسنوات، موضحة أن تعرضها المتواصل للشمس والحرارة والرياح والأمطار، إلى جانب نقلها وإعادة تركيبها مراراً، أدى إلى اهتراء أعداد كبيرة منها.
ونقلت الوزارة عن تقديرات قطاع المأوى التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن نحو 94% من سكان قطاع غزة يحتاجون إلى مساعدات في مجال المأوى والمواد غير الغذائية، فيما يواجه 58% من السكان احتياجات حرجة أو كارثية في هذا المجال.
وكشفت الوزارة أن الشتاءين السابقين شهدا تسجيل 19 وفاة على الأقل نتيجة انخفاض حرارة الجسم في قطاع غزة، محذرة من تكرار هذه المآسي في ظل غياب المآوي الآمنة ووسائل التدفئة والحماية.
ودعت إلى استبدال الخيام المتهالكة وتوفير مساكن انتقالية أكثر قدرة على مقاومة الأمطار والرياح، وإدخال الشوادر ومواد العزل والفرش والبطانيات والملابس الشتوية، إلى جانب تأهيل مواقع النزوح وفتح قنوات تصريف مياه الأمطار وتوفير الوقود والمعدات اللازمة لتشغيل مرافق المياه والصرف الصحي.
الصحة تحذر من تداعيات البرد والرطوبة
بدوره، حذر وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان من تزايد المخاطر الصحية والبيئية التي تهدد النازحين مع بدء فصل الشتاء، في ظل غرق عشرات آلاف الخيام وتدهور ظروف الإيواء.
وأكد أن مئات آلاف النازحين يفتقرون إلى أماكن إقامة آمنة تحميهم من البرد والرطوبة، مطالباً بإدخال مساعدات إيواء عاجلة تشمل خياماً مقاومة للأمطار ومساكن مؤقتة ومواد تدفئة.
وتتضاعف المخاوف الصحية مع تجمع المياه في المخيمات، وتضرر المرافق الصحية والخدمات الأساسية، وما قد ينتج عن ذلك من انتشار للأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة والبرد والرطوبة، في وقت تعاني فيه المنظومة الصحية من تداعيات الدمار ونقص المستلزمات الطبية.
مخزون الإغاثة لا يكفي
وعلى الصعيد الإنساني، حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن مخزون إمدادات الطوارئ المتوفر في قطاع غزة لا يكفي لتلبية احتياجات الأسر التي تضررت من الأمطار الغزيرة، مشدداً على ضرورة إدخال الإمدادات الشتوية بصورة عاجلة.
كما أكدت المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في غزة أماني الناعوق أن السكان بحاجة إلى حلول إيواء مستدامة تنهي معاناتهم المتكررة مع كل موسم أمطار، بدلاً من الاكتفاء بتدخلات مؤقتة لا تمنع تكرار الأضرار.
كارثة تتكرر قبل ذروة الشتاء
ما كشفه المنخفض الأول في غزة يتجاوز حصيلة الخيام التي غرقت أو الممتلكات التي أتلفتها المياه؛ فهو أظهر هشاشة واقع إنساني يعيش فيه مئات آلاف النازحين دون مأوى قادر على حمايتهم، وأظهر في الوقت ذاته محدودية قدرة طواقم الإنقاذ على التعامل مع حالات الطوارئ في ظل نقص المعدات والوقود والآليات.
ومع أن المنخفض بدأ بالانحسار، فإن آثاره ستبقى حاضرة في حياة العائلات التي فقدت أماكن إقامتها ومقتنياتها، فيما لا تزال الخيام المتضررة والمباني الآيلة للسقوط ومواقع النزوح المهددة بالفيضانات قائمة.
وبين تحذيرات الجهات الرسمية ومناشدات المؤسسات الإنسانية، يواجه قطاع غزة شتاءً جديداً بأدوات حماية شبه معدومة، في وقت لا تزال فيه احتياجات الإيواء أكبر بكثير من الإمدادات المتاحة.
فالمنخفض الأول لم يكن سوى إنذار مبكر لما قد تحمله الأشهر المقبلة، والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف ستواجه مئات آلاف العائلات النازحة المنخفضات المقبلة، إذا كانت الأمطار الأولى قد أغرقت عشرات آلاف الخيام وأظهرت عجز إمكانات الإنقاذ عن الاستجابة لمعظم نداءات الاستغاثة؟




