لماذا يحافظ الشيكل على قوته رغم خفض الفائدة في "إسرائيل"؟

07 سبتمبر, 2026 10:28 صباحاً

فتح ميديا - متابعة:

حافظ الشيكل على قوته أمام الدولار رغم ثلاث تخفيضات متتالية لأسعار الفائدة أجراها بنك إسرائيل، وخمسة تخفيضات خلال العام الأخير، مسجلاً ارتفاعاً بنحو 10% خلال عام، خلافاً للتصور السائد في أسواق المال بأن خفض الفائدة يؤدي إلى إضعاف العملة المحلية.

ويستند هذا التصور إلى أن انخفاض الفائدة على الشيكل مقارنة بنظيرتها على الدولار، بفارق يبلغ حالياً بين 0.25 و0.5 نقطة مئوية، يقلص جاذبية الأصول المقومة بالعملة الإسرائيلية ويدفع الأموال إلى الخارج.

لكن القرار الأخير لبنك إسرائيل، الثلاثاء الماضي، بخفض الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 3.25%، لم يغير هذا الاتجاه. فقد ارتفع الدولار قبيل القرار وتجاوز لفترة وجيزة مستوى 3.02 شواكل، قبل أن يتراجع مجدداً إلى نحو ثلاثة شواكل.

وقال إيلان غيلدين، الشريك ومدير صندوق التحوط في شركة "كارني فاميلي أوفيس"، والذي شغل سابقاً منصب كبير الاقتصاديين في هيئة الأوراق المالية الإسرائيلية، إن العامل الأكثر تأثيراً في سعر صرف الشيكل حالياً ليس فروق الفائدة، بل حركة أموال المؤسسات الاستثمارية الإسرائيلية التي تدير مدخرات الجمهور.

وأوضح أن هذه المؤسسات تمتلك استثمارات غير مسبوقة في الأسهم الخارجية، وأن كل ارتفاع في الأسوق العالمية يولد لديها حاجة تلقائية إلى بيع الدولار، للحفاظ على نسبة انكشاف محافظها على العملات الأجنبية. وأضاف أن "حجم هذه التدفقات يجعل تأثير فارق فائدة بمقدار 0.25 نقطة مئوية ضئيلاً للغاية".

ورأى غيلدين أن الأسواق تقرأ خفض الفائدة بوصفه مؤشراً إلى عودة الأوضاع إلى طبيعتها، أي دليلاً على اقتراب التضخم في إسرائيل من المستوى المستهدف وتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يدعم قوة العملة المحلية.

وأضاف: "أما السيناريو المعاكس، الذي يُنظر فيه إلى خفض الفائدة باعتباره خطوة مذعورة، أو استجابة لضعف الاقتصاد الحقيقي، أو نتيجة ضغط سياسي على بنك إسرائيل، فهو مختلف تماماً، لكنني لا أتعامل معه حالياً باعتباره السيناريو الرئيسي".

وحدد غيلدين عاملين قد يوقفان استمرار خفض الفائدة في إسرائيل: تجدد ارتفاع تضخم الخدمات في الولايات المتحدة، أو تفجر أزمة في المالية العامة الأميركية تعكسها زيادة عوائد السندات، بما قد يقلص جاذبية الفائدة على الشيكل. وقال: "في غياب هذين العاملين، يبقى الاتجاه خلال العام المقبل نحو مواصلة خفض الفائدة".

مبيعات الدولار ونشاط الشركات العالمية

وعزا يوسي فرايمان، الرئيس التنفيذي لشركة "بريكو" لإدارة المخاطر، قوة الشيكل إلى مبيعات العملات الأجنبية التي تنفذها المؤسسات الاستثمارية، فضلاً عن تحويلات المصدرين الإسرائيليين، بما يشمل الصناعات العسكرية، والتوسع الكبير في نشاط شركات عالمية بارزة في إسرائيل، تتقدمها شركة الرقائق "إنفيديا". وقال: "هناك فائض كبير جداً في المعروض من الدولار". لكنه أشار إلى أن الآلية التي عززت الشيكل قد تعمل في الاتجاه المعاكس إذا تراجعت بورصة وول ستريت، إذ تميل انخفاضات الأسهم الأميركية إلى إضعاف الشيكل وتقوية الدولار.

وأوضح: "إذا كنت مؤسسة استثمارية تمتلك محفظة مقومة بالدولار بقيمة 50 مليار دولار، وانخفضت قيمتها 10%، فعليّ العودة إلى السوق لشراء خمسة مليارات دولار". ورأى أن هذا السيناريو قد يعكس الاتجاه الذي ساد خلال الأشهر الأخيرة، مذكراً بأن سبتمبر/أيلول يُعد تاريخياً شهراً ضعيفاً نسبياً في أسواق الأسهم.

ومن منظور التحليل الفني، حدد فرايمان نطاقاً مهماً لسعر الدولار بين 3.03 و3.08 شواكل خلال الأسابيع المقبلة، مشدداً على أن "هذه الأغورات الخمس حاسمة"، وأن تجاوز الحد الأعلى لهذا النطاق قد يسرّع تراجع الشيكل. أما في المدى القريب جداً، فتوقع تعرض الدولار لبعض الضغوط الهبوطية بسبب تحويلات المصدرين لتغطية الرواتب، بما يزيد مبيعات العملة الأميركية في السوق.

عوائد السندات وحدود خفض الفائدة

وقدر فرايمان أن "هامش خفض الفائدة في إسرائيل محدود"، متوقعاً في المقابل أن يفضل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التريث في اجتماعه المقبل، الأسبوع القادم، بشأن الفائدة التي تتراوح حالياً بين 3.5% و3.75%.

وعزا ذلك إلى أن السوق الأميركية "أنجزت المهمة بالفعل نيابة عن البنك المركزي"، بعدما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشدة، لتقترب عوائد السندات لأجل عشر سنوات من 4.8%، مقارنة بـ4.07% قبل عام.

وقال: "بدلاً من أن يسارع الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع الفائدة، دفعتها السوق بالفعل إلى الأعلى عبر سوق السندات، وبالتالي لن تحقيق زيادة إضافية أي قيمة مضافة". واعتبر أن ذلك سيدفع الأسواق إلى تعليق رهاناتها على رفع الفائدة الأميركية في الوقت الراهن.

من جهته، أرجع غيلدين ارتفاع عوائد السندات إلى ثلاثة عوامل: المعروض غير المسبوق من الدين الحكومي في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا واليابان؛ وسياسة البنك المركزي الياباني التي تدفع المستثمرين اليابانيين إلى إعادة أموالهم إلى بلادهم على حساب الأسواق الأخرى، مع بيع سندات أميركية؛ وغياب البنوك المركزية عن دور المشتري الدائم للسندات.

ورأى أن حائزي السندات طويلة الأجل يتحملون تقلبات مرتفعة دون عائد يعوضهم بصورة كافية، ما يدفعهم إلى تفضيل السندات القصيرة والمتوسطة الأجل. وحذر، في هذا السياق، من الأصول التي تعتمد تقييماتها على خصم تدفقات نقدية مستقبلية بعيدة، وفي مقدمتها أسهم شركات النمو طويلة الأجل ومشروعات البنية التحتية المعتمدة بكثافة على الاقتراض.

الانتخابات والمخاطر السياسية

وأشار التقرير إلى أن قرار الفائدة المقبل سيصدر قبل أقل من أسبوع من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول. وقال غيلدين: "شهدت إسرائيل خمس دورات انتخابية خلال أربع سنوات، ولم تتفاعل السوق معها تقريباً. الانتخابات في إسرائيل ليست حدثاً اقتصادياً كلياً بحد ذاتها، وقد اعتادت السوق أن الدولة تواصل عملها حتى في غياب ائتلاف مستقر".

وحدد ثلاثة مؤشرات تستحق المتابعة: استقلالية بنك إسرائيل والقواعد المنظمة للمالية العامة، إذ يرى أن المساس بهما يمثل الخطر الوحيد القادر على توسيع فروق العوائد بصورة كبيرة؛ والتعهدات المالية خلال الحملة الانتخابية وتركيبة الائتلاف المقبل؛ والمدة التي يستغرقها تشكيل الحكومة، والتي اعتبر أن تأثيرها أكبر بكثير من يوم الانتخابات نفسه.

ولفت إلى مفارقة تتعلق بالمالية العامة، قائلاً إن تأخر إقرار الموازنة يؤدي إلى العمل بموازنة مؤقتة وفق قاعدة الإنفاق الشهري بواقع جزء من اثني عشر، وهي "شبكة أمان تكبح الإنفاق فعلياً وتحقق على المدى القصير نتيجة أفضل للمالية العامة".

وأضاف أن "الشيكل هو أداة التحوط والتعبير الرئيسي عن المخاطر السياسية المحلية، ولذلك يستجيب أولاً وبأكبر قدر من الحدة. وتتبعه السندات عبر اتساع فروق العوائد، بينما تكون الأسهم الأقل حساسية، باستثناء القطاعات المنكشفة مباشرة على التنظيم المحلي، مثل البنوك وتجارة التجزئة الغذائية والتأمين والاتصالات".

ورأى غيلدين أن هذه الظروف قد تخلق فرصاً في أسهم شركات تأتي غالبية إيراداتها بالدولار. وأوضح أن المستثمر الأجنبي، حين يبيع أصوله في السوق الإسرائيلية بسبب تطور سياسي، يبيع الأسهم المقومة بالشيكل ويشتري الدولار، ما يضعف العملة المحلية، لكنه قد يبيع في الوقت نفسه أسهم شركات مدرجة تحقق إيرادات بالدولار ولا ترتبط أعمالها بنتائج الانتخابات. وبحسب تقديره، قد تتراجع هذه الأسهم بفعل خروج المستثمرين الأجانب، فتتحول إلى فرص استثمارية رغم عدم تأثر أعمال الشركات مباشرة بالتطورات السياسية المحلية.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد