حركة فتح ما بين المؤتمرين السادس والثامن: تحولات البنية التنظيمية ومركزية القرار

01 مايو, 2026 05:22 مساءً
عطاف الحمران

لم تكن حركة فتح يوماً مجرد إطار تنظيمي عابر، بل كانت حالة وطنية متجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني، ومشروعاً تحررياً حملته التضحيات، وصاغت ملامحه أجيال آمنت بأن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن التنظيم قيمة جماعية لا مساحة فردية، لكن ما بين المؤتمر السادس لحركة فتح وما بعده وصولًا إلى المؤتمر الثامن لحركة فتح شهدت الحركة تحولات عميقة لم تمس بنيتها التنظيمية فقط بل مست روحها الداخلية وأعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسة والقرار، وبين الكادر والانتماء.

في مراحلها السابقة كانت الحركة تقوم على أعراف تنظيمية تحفظ التوازن وتمنح الكفاءات حضورها وتترك مساحة للاختلاف تحت سقف الانتماء، فلم يكن الاتفاق دائماً قائماً لكن المؤسسة كانت موجودة والرأي كان يُسمع، والتاريخ النضالي كان يحمل وزنه الحقيقي، غير أن السنوات التي تلت حملت واقعا مختلفاً ؛ حيث تقلصت المساحات التنظيمية وضعفت الشراكة الداخلية، وبدأت حالة من التمركز حول القرار حتى غلبت الشخصنة على المؤسسة وأصبح الحضور التنظيمي في كثير من الأحيان مرهوناً بالقرب من دوائر النفوذ لا بالكفاءة أو التاريخ أو الثقل الوطني، استُبعدت كفاءات، وغُيّبت كوادر، وأُقصيت شخصيات حملت رصيداً طويلاً في تاريخ الحركة تحت مبررات متعددة بينما كان الأثر الأوضح هو انكماش المساحة التي احتضنت يوماً التعدد والاختلاف.

لم يعد الخلاف يُقرأ بوصفه تنوعاً بل أصبح في كثير من الأحيان مدخلاً للتصنيف والإبعاد ومع الوقت لم يعد التقييم داخل الأطر التنظيمية قائماً على العطاء أو الحضور أو الكفاءة بل دخلت الحسابات الشخصية وازدادت مركزية القرار حتى بدت المؤسسة في نظر كثيرين أقل قدرة على إنتاج القرار وأكثر انشغالاً بتثبيته.

إن أخطر ما حدث لم يكن فقط خروج شخصيات تاريخية أو تراجع حضور الحرس القديم بل التحول في المعنى الداخلي للحركة نفسها ؛ من إطار يقوم على الشراكة إلى واقع يضيق بمساحات الحوار ومن تنظيم احتضن التنوع إلى حالة بات فيها الصوت الواحد أكثر حضوراً من صوت المؤسسة، فحركة فتح التي قادت المشروع الوطني لعقود لم تُبنَ على فكرة التفرد، ولا على احتكار القرار، بل قامت على التعدد وعلى احترام الكادر وعلى الإيمان بأن قوة الحركة في اتساعها لا في انغلاقها.

ما بين المؤتمر السادس والثامن لم تتغير الوجوه فقط بل تبدلت المعايير، واختلت الأعراف، وتراجع منطق الشراكة أمام صعود الفردانية السياسية، ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم : هل ما زالت حركة فتح تمثل صورتها التي عرفها أبناؤها أم أنها دخلت مرحلة جديدة أعادت تعريف نفسها بعيداً عن القواعد التي صنعت تاريخها؟

كلمات دلالية

اقرأ المزيد