وعد بلفور المشؤوم .. تاريخ من السلب والنهب وانتهاك القانون

02 نوفمبر, 2022 10:22 صباحاً

فتح ميديا - غزة

الثاني من نوفمبر1917 ذكرى مشؤومة حلت على الشعب الفلسطيني، حيث تصادف يوم صدور الوعد المشؤوم الذي صكه بلفور ، حيث  منحت بريطانيا اليهود الحق في تأسيس وطن قومي لهم في فلسطين، بناءً على المقولة المزيفة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".
وفي هذا الوعد أعطى من لا يملك وعداً لمن لا يستحق، وفي هذا اليوم حل السواد على الشعب الفلسطيني وباتت العدالة في مهب الريح.
وفور صدور وعد بلفور بدأ الغرب بالفعل بإقامة الكيان لليهود على الأرض الفلسطينية على حساب شعب فلسطين الأصلي منذ اَلاف السنين.

نص وعد بلفور:
وعد بلفور كان على شكل تصريح من وزير خارجية بريطانيا (آرثر جيمس بلفور) في حكومة ديفيد لويد جورج في الثاني من تشرين الثاني من عام 1917م إلى اللورد روتشيلد (أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية) 
 وهذا النص حرفيا:

 وزارة الخارجية
2  نوفمبر 1917م
عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.
وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح.

المخلص
آرثر بلفور
من جهته وافق الرئيس الأمريكي ولسون على محتوى الوعد قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسميا سنة 1918م،  ثم تبعها الرئيس الأمريكي ولسون رسمياً وعلنياً سنة 1919م؛ وكذلك اليابان.
  وفي25 نيسان سنة 1920م، وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر "سان ريمو" على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 تموز من عام 1922م وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 أيلول من عام 1923م، وبذلك يمكننا القول: إن وعد بلفور كان وعداً غربياً وليس بريطانياً فحسب.

ردود فعل عربية:
اختلفت ردود الفعل العربية على نص الوعد ، منهم من استنكر ومنهم من رفض، و أرسلت بريطانيا رسالة إلى الشريف حسين، بواسطة الكولونيل باست تؤكد فيها الحكومة البريطانية أنها لن تسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب من الناحيتين الاقتصادية والسياسية؛ ولكنها في الوقت نفسه أصدرت أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في فلسطين، بأن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة حاييم وايزمن (خليفة هرتزل)؛ كما عملت على تحويل قوافل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ووفرت الحماية والمساعدة اللازمة لهم.

ردود الشعب الفلسطيني:
رفض الشعب الفلسطيني نص الوعد، وقاد ثورات متعددة أولها ثورة البراق عام 1929م، ثم تلتها ثورة 1936م.

معارضة اليهود الليبراليين:
اليهود الليبراليين الذين استطاعوا الاندماج في المجتمعات التي عاشوا فيها، عارضوا هذا ،ورأوا في هذا التوجه دليلاً قد يتخذه ما يسمى بأعداء السامية على غربة اليهود، وعدم قدرتهم على الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها- إلا أن هذه المعارضة لم يكن لها أي تأثير على توجه الحركة الصهيونية العام.

 وتبدو الإشارة إلى وعد بلفور في نص وثيقة الاستقلال المعلنة مع قيام دولة إسرائيل، دليلًا على أهمية هذا الوعد بالنسبة لليهود، حيث نقرأ في هذه الوثيقة: " الانبعاث القومي في بلد اعترف به وعد بلفور..."

لقد تمكن اليهود من استغلال تلك القصاصة الصادرة عن آرثر بلفور المعروف بقربه من الحركة الصهيونية، ومن ثم صك الانتداب، وقرار الجمعية العامة عام 1947م القاضي بتقسيم فلسطين، ليحققوا حلمهم بإقامة إسرائيل في الخامس عشر من أيار من عام 1948م، وليحظى هذا الكيان بعضوية الأمم المتحدة بضغط الدول الكبرى، ولتصبح إسرائيل أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي التي تنشأ على أرض الغير، وتلقى مساندة دولية جعلتها تغطرس في المنطقة، وتتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه دون رحمة.

دوافع بريطانيا لإصدار الوعد:
سياسيون ومؤرخون وجدوا أن السبب هو  تلاقي المصالح الاستعمارية وتقاطعها مع الحركة الصهيونية انطلاقاً من القيمة الإستراتيجية لفلسطين باعتبارها بوابة العبور إلى آسيا، وفي هذا الإطار وصف "تيودور هرتزل" دور الدولة اليهودية في فلسطين بقوله: "سنكون بالنسبة إلى أوروبا، جزءاً من حائط يحميها من آسيا، وسنكون بمثابة حارس يقف في الطليعة ضد البربرية". وهناك دوافع وأسباب أخرى، منها: رغبة بريطانيا في كسب تأييد يهود العالم لها أثناء الحرب العالمية الأولى، ولتقليص موجات الهجرة اليهودية نحو أوروبا وتحويلها باتجاه فلسطين؛ لما تحمله هذه الهجرات من أعباء وتبعات تضر ببريطانيا ودول أوروبا الأخرى بشكل عام.

تبرير بلفور
وبرر بلفور إصدار الوعد انه  انطلاقاً من دوافع إنسانية، في حين رأت فيه مصادر إسرائيلية تاريخية مكافأة للباحث حاييم وايزمن لخدمته بريطانيا باكتشافات علمية خدمت الأنشطة العسكرية البريطانية إبان الحرب العالمية الأول.

رأي رجال القانون:
اعتبر رجال القانون أن وعد بلفور باطل من الناحية القانونية؛ وبالتالي فان كل ما نتج عنه، وكل ما تأسس عليه فهو باطل. فالوجود البريطاني في فلسطين كان مجرد احتلال، ولا يمنح الاحتلال، أو الانتداب الدولة المنتدبة حق التصرف بالأراضي الواقعة تحت وصايتها، أو أي جزء منها. وفلسطين ليست جزءاً من الممتلكات البريطانية، حتى تمنحها لمن تشاء، ولأن الحكومة البريطانية أعلنت في مناسبات كثيرة أن الهدف من احتلالها هو تحرير فلسطين من السيطرة العثمانية، وإقامة حكومة وطنية فيها. من هنا يرى خبراء القانون الدولي أن تصريح بلفور ليس له صفة الإلزام القانوني، فهو تصريح من جانب واحد، لا التزامات متقابلة فيه، وقد صدر في صيغة رسالة موجهة من وزير الخارجية إلى أحد رعايا الدولة ذاتها، فليس لهذا التصريح صفة المعاهدة أو الاتفاق أو العقد الدولي.

لقد جعل تصريح بلفور فلسطين وطناً لليهود وهم ليسوا سكان فلسطين، حيث لم يكن في فلسطين من اليهود عند صدور التصريح سوى خمسين ألفاً من أصل عدد اليهود في العالم حينذاك، والذي كان يقدر بحوالي 12 مليوناً، في حين كان عدد سكان فلسطين من العرب في ذلك الوقت يناهز 650 ألفاً من المواطنين الذين كانوا، ومنذ آلاف السنين يطورون حياتهم في بادية وريف ومدن هذه الأرض. ولكن الوعد المشؤوم تجاهلهم ولم يعترف لهم إلا ببعض الحقوق المدنية والدينية، متجاهلًا حقوقهم السياسية والاقتصادية والإدارية.

ويتعارض  الوعد مع أحد أهم مبادئ القانون الدولي، ألا وهو مبدأ حق تقرير المصير الذي طالما نادى به الحلفاء وادعوا أنهم منحازون إليه وساعون إلى تطبيقه في كل مكان؛ ولكن الوعد الذي أصدره وزير خارجية بريطانيا (أحد أركان تحالف الحلفاء في الحرب العالمية) تنكر لحقوق الشعب الفلسطيني الحق به ظلمًا تاريخيًا لا نزال نعيش تداعياته حتى يومنا هذا.

ولا زالت معاناة الشعب الفلسطينية بعد هذا الوعد مستمرة إلى الان ، فالنكبة شرّدتهم من ديارهم عام 1948م، ودمرت بيوتهم عام 1967م، ولا زال القتل والتدمير وكل أشكال الانتهاكات مستمرة حتى اللحظة.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد