
ياسمين البوبو ووالدتها.. حكاية أم وأكاديمية قتلهم الاحتلال
04 اكتوبر, 2026 11:21 صباحاً
فتح ميديا - غزة:
في بيت العزاء، حيث يتوقف الزمان وتتثاقل الأنفاس، لم تكن الكلمات تخرج سهلة من أفواه ذويها، كانت غصة الصدمة تخنق الأصوات قبل أن تتجسد حروفًا.
أسطر من الذهول والوجع ترسم الملامح الأخيرة للدكتورة ياسمين البوبو (48 عامًا)، أستاذة تكنولوجيا المعلومات بجامعة فلسطين، ووالدتها المسنة حلوم (86 عامًا)، اللتين استشهدتا معًا في قصف للاحتلال الإسرائيلي استهدف شقتهما السكنية.
تقول إيمان، ابنة أخيها، وهي لم تستوعب بعد غياب عمتها التي كانت بمثابة السند والرفيقة: "لم تكن الدكتورة ياسمين أستاذة أكاديمية في جامعة فلسطين منذ عام 2005 فحسب، كانت أُماً حقيقية لكل طالب وطالبة دخلوا قاعتها الدراسية".
تكمل إيمان بصوت حزين: "كان الجميع يحبها ويستشعر دفئها، كانت شخصية تبادر دومًا بلم شمل العائلة، تجمعنا بالحب والضحكات".
"الدكتورة ياسمين كانت تبث الأمل في عائلتها، كما جامعتها، لهذا كنتُ متعلقة بها إلى حد لا يوصف"، تقول إيمان البوبو.
وتضيف عن تفاصيل أيامها الأخيرة: "قبل أسبوع واحد فقط، زرتها في بيتها بعد خضوعها لعملية استئصال جراحية، ولم تكن قطب الجرح قد فُكّت بعد، وكانت جسديًا ما زالت تتألم". تستدرك: "لكن روحها كانت حاضرة باللطف والمحبة".
أمّا جريمة القصف لم تمهل ذلك الجرح كي يلتئم، ليرتقي جسد ياسمين النحيل بآلامه، متوشحًا بالشهادة، في تعبيرٍ لابنة أختها.
أخت من لم تكن له أخت
الدكتور حسن المدهون، زوج أخت الشهيدة، وقف مصدومًا أمام هول الفاجعة، في مراسم وداع الأكاديمية ياسمين، وهو الأكاديمي والإعلامي الذي لم تسعفه كلماته الصحفية ليعبر عن حقيقة الفقد. ويقول : "أنا لي ستة إخوة وليس لي أخوات، وكانت ياسمين هي أختي التي لم تلدها أمي".
يستحضر أثرها الاجتماعي: "رافقتنا في كل محطات النزوح والنزوح المضاد، هي وأمها، كانت ظلًا من الأخلاق المتواضعة والهدوء والإنسانية التي ندر أن نجد مثلها".
ويستذكر لحظاتها الأخيرة: "قبل استشهادها بنصف ساعة فقط، كانت تتحدث عبر الهاتف مع ابنتي، كانت المكالمة مليئة بالضحك والمزاح والدعابات العائلية".
يردد: "لم أكن أعلم أنها ساعات وداع أخيرة، ولا أن تلك الضحكات كانت الضحكة الأخيرة قبل أن يخرس القصف الصوت إلى الأبد".
لم تكن ياسمين متزوجة، بل كانت قد نذرت حياتها لوالدتها الثمانينية، تعيش معها ولأجلها، تبرّها وتبحث عن رضاها في كل لحظة. ويقول حسن وإيمان متفقين: "كانت ياسمين شديدة التعلق بأمها بشكل لا يُصدق، مطيعة لها، ترعاها كأنها أثمن ما تملك في هذا العالم".
وربما لهذا السبب، وكأن القدر أبى أن تفترقا، ارتقتا معًا في نفس اللحظة ونفس المكان؛ لتصعد الروحان جنبًا إلى جنب كما عاشتا.
وجع التساؤل: ما ذنب الحياة؟
إن الصدمة التي تعيشها عائلة الدكتورة ياسمين تكمن في غياب أي مبرر لهذا الاستهداف، فياسمين كانت إنسانية أكاديمية مستقلة تمامًا، تعشق الحياة، ولا ترتبط بأي تنظيم أو نشاط سياسي.
تساءل الدكتور حسن بحسرة: "ما ذنب أكاديمية تحب الحياة وأم مسنة أن تُقتلا بهذه الطريقة في شقتهما؟ إن هذه الجريمة التي راح ضحيتها أيضًا امرأة مسنة أخرى وابنتها المسيحيتان في نفس الحادثة، هي صرخة لإنسانية العالم علّه يشعر أو يتحرك بعد كل هذا الفقد".
وترحل الدكتورة ياسمين البوبو، وتترك خلفها مقاعد دراسية حزينة في الجامعة، وجرحًا لم يبرأ، وذكرى أم، أخلصت لطلابها وعائلتها حتى اللحظة الأخيرة.
تقرير: رشا بركة




