من داخل إسرائيل.. أصوات تحذّر من اقتراب نهاية المشروع الصهيوني
تاريخ النشر : 07 نوفمبر, 2026 04:52 مساءً

فتح ميديا-وكالات

لم تعد التحذيرات من مستقبل المشروع الصهيوني مقتصرة على خصوم إسرائيل أو المفكرين الفلسطينيين والعرب، بل باتت تظهر بوضوح في كتابات مؤرخين وباحثين وصحافيين إسرائيليين، بعضهم من داخل المؤسسة الأكاديمية والإعلامية الإسرائيلية، ممن يرون أن الصهيونية بصيغتها الحالية تواجه أزمة عميقة تتجاوز الخلافات السياسية والحكومية.

ومن أبرز هذه التحذيرات مقال الإعلامي الإسرائيلي آري شافيط، الذي نشرته صحيفة “هآرتس” بعنوان “إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة”، ورأى فيه أن الصهيونية بصيغتها الحالية باتت غير قابلة للإصلاح.

وتوقف شافيط عند مقترح الكاتب روغيل ألفير المتعلق بالهجرة، معتبرًا أن مغادرة البلاد إلى مدن مثل سان فرانسيسكو أو برلين أو باريس قد تكون خيارًا واقعيًا لمن لم تعد الهوية الإسرائيلية أو اليهودية تمثل جزءًا حيويًا من هويتهم النفسية.

وأضاف أن إسرائيل تواجه واقعًا بالغ التعقيد، وأن الاعتراف بحقوق الفلسطينيين وإنهاء الاحتلال يمثلان الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، لكنه أشار إلى أن البلاد ربما تجاوزت نقطة اللاعودة، ولم تعد قادرة على إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام.

نقاش داخلي حول مستقبل الصهيونية

لم يعد السؤال المتعلق بمستقبل الصهيونية مطروحًا في الأوساط الفكرية والإعلامية خارج إسرائيل فحسب، بل أصبح جزءًا من نقاش داخلي يتناول طبيعة الدولة ومستقبلها، وحدود قدرتها على الجمع بين هويتها اليهودية ونظام ديمقراطي يضمن المساواة لجميع مواطنيها.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة في أعقاب تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والحرب على قطاع غزة، واتساع الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، فضلًا عن تصاعد التوتر في علاقات إسرائيل مع قطاعات من الرأي العام اليهودي في الولايات المتحدة وأوروبا.

شاؤول أرئيلي: الخطر على المشروع الصهيوني يأتي من داخله

يُعد الدكتور شاؤول أرئيلي من أبرز الباحثين الإسرائيليين الذين يتناولون مستقبل المشروع الصهيوني من منظور سياسي واستراتيجي، إذ يحذر من أن استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض التسوية السياسية مع الفلسطينيين يهدد بتحويل إسرائيل إلى واقع ثنائي القومية، أو إلى نظام دائم من عدم المساواة، بما يتعارض مع التصور الذي يطرحه لدولة يهودية ديمقراطية.

وفي مقال نشرته صحيفة “هآرتس”، تناول أرئيلي قضية الأراضي الفلسطينية والتكاليف التي ستتحملها إسرائيل نتيجة استمرار الوضع القائم، رابطًا مستقبل الدولة بالصراع داخل المجتمع الصهيوني بين المعسكر المتمسك بالديمقراطية والمساواة، والتيار القومي الديني المسيحاني الساعي إلى تغيير طبيعة الدولة.

غدعون ليفي: الصهيونية لم تنحرف بل كشفت عن جوهرها

يذهب الصحافي الإسرائيلي غدعون ليفي، أحد أبرز الأصوات النقدية في صحيفة “هآرتس”، إلى أبعد من التحذير من أزمة المشروع الصهيوني، إذ يرفض التفسير القائل إن السياسات الإسرائيلية الحالية تمثل مجرد انحراف عن مشروع كان مختلفًا في بداياته.

ويرى ليفي أن الفصل بين الصهيونية التي قامت عليها الدولة وسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لا يكفي لتفسير الواقع، معتبرًا أن ما يصفه بالجوهر التمييزي في العلاقة مع الفلسطينيين رافق المشروع منذ نشأته.

وفي مقابلة مع برنامج “ديموكراسي ناو”، ناقش ليفي مع المؤرخ الإسرائيلي عومر بارتوف مستقبل الصهيونية، مجددًا اعتراضه على اعتبار الممارسات الحالية مجرد خروج عن مبادئها الأولى. وبذلك، لا يقتصر موقفه على التحذير من احتمال انهيار المشروع، بل يمتد إلى التشكيك في إمكانية إصلاحه دون مراجعة جذوره التاريخية والسياسية.

عومر بارتوف: الصهيونية بحاجة إلى مراجعة جذرية

ومن الأسماء التي تستحق التوقف عندها المؤرخ الإسرائيلي عومر بارتوف، المتخصص في دراسات الإبادة الجماعية، الذي ميّز في مقابلة مع صحيفة “الغارديان” بين تيارين داخل الصهيونية: الأول ارتبط بتحرير اليهود من الاضطهاد، والثاني اتخذ طابعًا قوميًّا إثنيًّا استيطانيًّا.

ويرى بارتوف أن الدولة الإسرائيلية ابتعدت عن إمكانية بناء دولة طبيعية، لها دستور وحدود معروفة، وتقوم على علاقات متساوية مع مواطنيها الفلسطينيين، معلنًا معارضته الشديدة للصهيونية بصيغتها السائدة حاليًا، وداعيًا إلى مراجعة جذرية لمسارها.

إيلان بابيه: نحن أمام المرحلة الأخيرة من الصهيونية

أما المؤرخ إيلان بابيه، المعروف بمواقفه المناهضة للصهيونية، فيذهب إلى أبعد من ذلك في تشخيص مستقبل المشروع. ففي مقابلة مع قناة “الجزيرة”، قال إن الحركة الصهيونية تمر بمرحلتها الأخيرة تاريخيًا، وإن ما تشهده إسرائيل يمثل مرحلة من الصهيونية الجديدة، تتسم بمزيد من التطرف والتوسع والسعي إلى فرض السيطرة على كامل فلسطين التاريخية.

ويعتقد بابيه أن الحركات الاستيطانية والإمبراطوريات قد تصل إلى مراحل تبلغ فيها سياساتها أقصى درجات الطموح والتشدد، قبل أن تواجه عوامل التفكك والانهيار.

أزمة الصهيونية الليبرالية واتساع الفجوة مع الجاليات اليهودية

وثمة عامل آخر لا يمكن تجاهله في قراءة مستقبل المشروع الصهيوني، يتمثل في تراجع مكانة الصهيونية الليبرالية داخل قطاعات من الجاليات اليهودية، ولا سيما في الولايات المتحدة.

فقد تناولت تقارير صحافية نقاشات بين شخصيات دينية وفكرية يهودية بشأن أزمة الصهيونية الليبرالية، واتساع الفجوة بين الالتزام بالقيم الديمقراطية والدفاع عن السياسات الإسرائيلية، في ظل تزايد الاعتراضات على ممارسات الحكومة الإسرائيلية والحرب على الفلسطينيين.

أزمة مشروع أم نهاية تاريخية؟

تكشف هذه المواقف، على اختلاف منطلقاتها ودرجة نقدها للصهيونية، أن النقاش لم يعد محصورًا في كيفية إدارة الصراع مع الفلسطينيين، بل امتد إلى شرعية السياسات التي تقوم عليها الدولة، وطبيعة النظام الذي تسعى إلى ترسيخه، ومدى إمكانية استمرار مشروع قومي يقوم على تقرير المصير اليهودي في ظل إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية أو الانتقاص منها.

ويتمثل السؤال الأبرز الذي تطرحه هذه الكتابات في مدى قدرة الصهيونية على إعادة تعريف نفسها بما يضمن الحقوق الوطنية والمساواة للفلسطينيين، أم أن التناقضات المتراكمة في مسارها التاريخي ستظل تتفاقم، إلى أن تفرض تحولًا جذريًا في طبيعة المشروع والدولة؟