تدخل المنطقة خريفًا سياسيًا مزدحمًا بالانتخابات، وقد تحمل صناديق الاقتراع في إسرائيل والولايات المتحدة وفلسطين نتائج تتجاوز تغيير الحكومات إلى إعادة رسم موازين النفوذ، وتحديد شكل العلاقة بين الحرب والسياسة، وبين الدعم الدولي والمساءلة. لكن الانتخابات لا تصنع التحول وحدها؛ إذ يتوقف ذلك على قدرة القوى الفائزة على تحويل أصوات الناخبين إلى مسار سياسي واضح.
إسرائيل: هل يغادر نتنياهو أم يجد طريقًا جديدًا للبقاء؟
يتوجه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في 27 أكتوبر/تشرين الأول لانتخاب الكنيست السادس والعشرين، بعد حرب طويلة وأزمات سياسية وأمنية متراكمة، وانقسام داخلي بشأن أداء الحكومة ومستقبل البلاد. وتشير استطلاعات وتقارير حديثة إلى أن معسكر بنيامين نتنياهو قد يواجه صعوبة في تأمين أغلبية برلمانية، لكن منافسيه يواجهون بدورهم تحدي تشكيل ائتلاف متماسك. فالتقدم في استطلاع أو التفوق على حزب الليكود لا يكفي لتشكيل حكومة ما لم تتوافر كتلة تستطيع جمع 61 مقعدًا في الكنيست.
لذلك، لا يقتصر السؤال على احتمال خسارة نتنياهو، بل يشمل قدرة خصومه على الاتفاق على بديل، ومدى استعداد القوى اليمينية المتطرفة للتخلي عن نفوذها. وقد تمنح أجواء الخوف والتعبئة القومية نتنياهو فرصة لاستعادة جزء من جمهوره، أو تشكيل حكومة جديدة، حتى إن لم يتصدر حزبه نتائج التصويت. وربما يوظف تصاعد الخطاب القومي والديني، وتصوير خصومه بوصفهم تهديدًا لأمن إسرائيل وهويتها، لكسب مزيد من التأييد.
في المقابل، قد تدفع إخفاقات الحكومة الأمنية والسياسية، والانقسام حول التجنيد والقضاء، وتداعيات الحروب، وتزايد عزلة إسرائيل دوليًا، قطاعات من الناخبين إلى البحث عن قيادة مختلفة. فعزلة إسرائيل وما تسببه من كلفة سياسية ودبلوماسية قد تضعف فرص نتنياهو في الفوز، خصوصًا إذا حمّله الناخبون مسؤولية تراجع مكانة إسرائيل الدولية. ومع ذلك، لا يعني تغيير القيادة بالضرورة أن البديل سيكون أقل تشددًا تجاه الفلسطينيين أو أكثر استعدادًا للسلام.
أما مصير نتنياهو القضائي، فينبغي التمييز فيه بين مسارين. فهو يواجه محاكمة في إسرائيل بقضايا فساد تتضمن اتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وينفي ارتكاب مخالفات، ولم يصدر بحقه حكم نهائي بالسجن. وعلى المستوى الدولي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرة توقيف بحقه على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ومذكرة التوقيف ليست حكمًا بالإدانة؛ كما أن الانتخابات لا تنهي محاكمته تلقائيًا، فذلك مرتبط بمسارات قضائية مستقلة.
الولايات المتحدة: تقييد لترامب أم إعادة ترتيب للأولويات؟
تُجرى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، وتشمل جميع مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وقد أظهرت استطلاعات وتقارير تحسنًا في فرص الديمقراطيين، لكن استعادة المجلسين معًا ليست محسومة؛ فالنتائج تتأثر بالمرشحين، وتوزيع الأصوات، وقضايا الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية.
إذا خسر الجمهوريون أحد المجلسين أو كليهما، فستتراجع قدرة الرئيس دونالد ترامب على تمرير جدول أعماله التشريعي، ويزداد نفوذ الكونغرس في الرقابة والتحقيق والإنفاق والتعيينات. وقد يواجه البيت الأبيض عراقيل أكبر في ملفات السياسة الخارجية، ومنها الدعم العسكري لإسرائيل، خصوصًا إذا تصاعدت المطالب بمراجعة المساعدات أو ربطها باحترام القانون الدولي وحماية المدنيين.
لكن خسارة الجمهوريين لا تعني تلقائيًا وقف الدعم الأمريكي لإسرائيل أو فقدان الرئيس صلاحياته التنفيذية في السياسة الخارجية. فالكونغرس يستطيع التأثير عبر التشريع والميزانية والرقابة، لكنه لا يحل محل الرئيس في إدارة العلاقات الدولية. وقد يكون الأثر الأرجح زيادة القيود السياسية والرقابية على الإدارة، ورفع كلفة استمرار الدعم غير المشروط، لا إنهاءه بقرار انتخابي واحد.
وربما يظهر التغير الأعمق في نقاش الرأي العام الأمريكي: هل تبقى العلاقة مع إسرائيل محصّنة من المساءلة؟ وهل يستطيع أي رئيس تجاهل التحولات في مواقف الناخبين، ولا سيما بين الشباب وقطاعات من الحزبين؟ عندئذٍ تصبح الانتخابات بداية ضغط سياسي متراكم، لا خاتمة فورية لسياسة راسخة.
فلسطين: اقتراع ممكن، لكن هل يكون جامعًا؟
حُدد يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، فيما أُعلن أن الانتخابات الرئاسية ستُجرى في مطلع عام 2027. لكن تحديد المواعيد لا يضمن اقتراعًا شاملًا ونزيهًا؛ فالتحديات جسيمة، وتشمل آثار الحرب والدمار في غزة، وتجزئة الأراضي، وإمكان إجراء التصويت في القدس، فضلًا عن الانقسام الفلسطيني وانعدام الثقة بين القوى السياسية.
وتكشف استطلاعات الرأي حجم الشكوك. ففي استطلاع حديث لمركز البحوث السياسية والمسحية، قال 49 في المئة إنهم يعتقدون أن الانتخابات ستُجرى في موعدها، مقابل 44 في المئة توقعوا عدم إجرائها. ويعكس ذلك أن التحدي لا يتعلق بإقبال الناخبين فحسب، بل بمدى ثقتهم بأن العملية ستُستكمل، وأن نتائجها ستُحترم، وأنها ستفتح الطريق أمام تجديد سياسي حقيقي.
ولكي تؤسس الانتخابات لمشهد فلسطيني جامع، ينبغي إجراؤها في الضفة وغزة والقدس وفق قواعد واحدة، وبإشراف مهني مستقل، مع إتاحة فرص متكافئة للقوائم، وضمان سلامة المرشحين والناخبين، ووقف الاعتقالات والتضييق السياسي، والسماح بمراقبة مستقلة. كما ينبغي الاتفاق مسبقًا على احترام النتائج وتداول السلطة؛ فالنزاهة لا تكتمل بفرز الأصوات، بل تتطلب بيئة تسمح للناس بالاختيار الحر ومؤسسات تلتزم بإرادتهم.
والأهم أن تتجاوز الانتخابات التنافس على المقاعد إلى حوار وطني حول برنامج مشترك، يشمل إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير والسلطة، ووضع تصور لإدارة غزة والضفة، وتحديد الأولويات في مواجهة الاحتلال والاستيطان، والاتفاق على استراتيجية تمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات. ويمكن للتعددية أن تستوعب اختلاف القوى إذا أُديرت الخلافات عبر المؤسسات والقانون، وتوافرت ضمانات تمنع الإقصاء والصدام.
تطرح الانتخابات الثلاثة أسئلة متشابهة: هل تفضي إلى تداول المسؤولية، أم تمنح القوى القائمة فرصة لإعادة إنتاج نفسها؟ قد يخسر نتنياهو من دون أن يتغير جوهر السياسات، وقد يخسر الجمهوريون الكونغرس من دون أن يتوقف الدعم الأمريكي لإسرائيل، وقد تُجرى الانتخابات الفلسطينية من دون أن تنهي الانقسام. لكن التحول الحقيقي يبدأ حين تصبح النتائج إرادة سياسية ومساءلة، وحين تمثل الانتخابات خطوة نحو استعادة القرار الفلسطيني، لا مجرد موعد جديد في تقويم مثقل بالوعود.
انتخاباتٌ حُبلى بالمفاجآت: مَن يملك مفاتيح المرحلة المقبلة؟
تاريخ النشر : 03 اكتوبر, 2026 04:51 مساءً