لوحٌ مكسور.. ورياضة تحاول البقاء في غزة
تاريخ النشر : 26 سبتمبر, 2026 02:26 مساءً

فتح ميديا - غزة :

لم يكن ركوب البحر جديداً على الشاب المغامر خليل أبو جياب، لكنه اليوم لم يعد يألفه بالطريقة نفسها، فبعد أن لامست الموجة لوح ركوبه من جديد، للحظات، غابت الحرب، ومرارة النزوح وكل ما قاساه خلال السنوات الثلاث الماضية عن تفكيره، وشعر أنه استعاد شيئاً من حياته السابقة التي فقدها.

ويبلغ خليل من العمر 19 عاماً، لكن علاقته برياضة ركوب الأمواج بدأت منذ أن كان عمره 5 سنوات، وامتدت لأكثر من 14 عاماً، حتى أصبحت جزءاً من هويته.

وبعد أن أصبح ركوب الأمواج ضمن خططه المستقبلية التي يطمح لبنائها، ولامس حلم احترافه خارج قطاع غزة روحه، اضطر للتوقف مؤقتاً بسبب اندلاع الحرب في تشرين الأول عام 2023، إذ أصبح الذهاب إلى الشاطئ وممارسة الرياضة أكثر صعوبة وخطورةوالتفكير في تأمين الاحتياجات اليومية وسلامة الأسرة أكثر إلحاحاً من التفكير في التدريب والمنافسات.

خليل واحد من 17 شاباً احترفوا الرياضة في قطاع غزة، لكن غالبيتهم اضطروا للتوقف بسبب فقد المعدات، وعدم القدرة على شراء البديل، وتغير أولويات الحياة بفعل الظروف الاضطرارية التي فرضتها الحرب.

فقد قدّر نادي ركوب الأمواج في غزة، في بيان مقتضب نشره عبر موقعه الإلكتروني، أن نحو 10 ألواح فقط نجت من الحرب، لكن معظمها متضرر، ولا يوجد لدى راكبي الأمواج أي مواد لإصلاحها.

وبحسب النادي فإن إدخال معدات وألواح ركوب الأمواج غير ممكن حالياً بسبب منع الاحتلال، وتصنيفه لها أنها ذات استخدام مزدوج، مضيفاً أنه يعمل جاهداً في التواصل مع الجهات المعنية للحصول على إذن لإدخالها.

ويقول خليل إنه مثل بقية أصدقائه اضطر للتوقف مؤقتاً عن ممارسة رياضته المفضلة خلال فترات النزوح، بعد أن وجد نفسه أمام أولويات مختلفة تماماً عما اعتاد عليه، فكان يفكر كيف يحمي نفسه وعائلته من خطر الحرب والتنقل من مكان لآخر، أما فكرة الرياضة وحماية لوح الركوب الخاص به لم تكن بذات الأهمية، مضيفاً أن أماكن النزوح بالكاد تتسع لأفراد العائلة، إلى جانب ثقل وزن اللوح وصعوبة حمله ونقله من مكان لآخر.

كان يمكن للوح أن ينهي علاقة صاحبه بركوب الأمواج، لكن (محمد فرحات) الذي فقد لوحه خلال الحرب حاول بشتى الطرق أن يحصل على لوح ركوب آخر لاستكمال شغفه بالرياضة. فبعد أن تحطم لوحه إثر القصف الإسرائيلي على قطاع غزة والنزوح المتكرر للعائلة، لم يستطع محمد حماية لوحه من الضرر. ولكنه عمل جاهداً للحصول على بديل، لكن العثور على لوح بديل كان أمراً في غاية الصعوبة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع أسعار الألواح مقارنة بما قبل الحرب.

استطاع محمد أخيراً بعد رحلة بحث طويلة أن يشتري لوح ركوب مكسور من لاعب قديم يحتفظ به منذ عام 2007. كان عليه أن يدفع مبلغاً مرتفعاً ما يقارب 2500 شيكل لشرائه، بالإضافة إلى تكلفة تصليحه فيما بعد.

لم يكن الحصول على اللوح يعني أن المشكلة انتهت فشراء لوح مكسور يحتاج إلى إصلاح، وبعد ترميمه أصبح وزنه أثقل من وزنه الأصلي. "عندما نشتري لوح ركوب مكسور ويتم إصلاحه لا يعد اللوح كما كان من قبل، بل يصبح وزنه أثقل، مما يؤثر على حركته فوق الموجة ويجعل التحكم فيه أكثر صعوبة".

ويؤكد محمد أبو جياب (53) عاماً، منقذ بحري وأحد مؤسسي فريق ركوب الأمواج بغزة عدم توفر أماكن لتصنيع ألواح ركوب الأمواج مما جعل الأمر أكثر صعوبة في الحصول على ألواح جديدة للرياضيين، فعند استهلاك الألواح القديمة وترميمها بشكل متكرر فهي تهلك بطريقة تدريجية مما يؤثر على جودة اللوح. لذلك عدد الألواح المتوفرة في قطاع غزة بعد الحرب قليل جداً مقارنة بما قبل الحرب، خاصة أنه لم يدخل إلى القطاع أي لوح ركوب منذ عام 2007. إذ اعتبر الجانب الإسرائيلي أن دخول هذه الألواح يندرج تحت قائمة المواد المحظورة من دخول القطاع.

لم تنجح الحرب في إنهاء علاقة خليل ومحمد بالبحر، فبالنسبة لهما العودة إلى البحر والركوب على اللوح بعد كل ما مرا به كان تذكيراً بأن هناك جزءًا من حياتهما لا يريدان أن يخسراه. إذ لا تعتبر هذه الرياضة مجرد هواية يمكن التخلي عنها، بل بالنسبة لهم، البحر يعيد إليهم شعوراً افتقداه طول الحرب وأن ركوب الأمواج يمنحهما شعوراً بالحرية.

لم يتوقف طموح راكبي الأمواج في غزة عند الحفاظ على ما تبقى من الرياضة؛ إذ يطمحون في المستقبل أن يتمكنوا من تدريب الأطفال والشباب على ركوب الأمواج وإبقاء الرياضة حاضرة بينهم. ونقل ما تعلموه منذ صغرهم إلى جيل جديد لمنحهم فرصة التعرف إلى البحر والاستمتاع بالرياضة كم استمتعوا بها منذ صغرهم.

ورغم استمرار العدوان وضبابية المشهد، لا يزال الشابان خليل ومحمد يأملان أن تشكل هذه الألواح المتهالكة بوابة لعودة هواة ركوب الأمواج إلى التشبث بحلمهم، ومواصلة شغفهم، وصولا إلى المنافسة في المحافل الخارجية.