هل يرتكب نتنياهو مغامرة في غزة والضفة أو لبنان لتأجيل الانتخابات "الإسرائيلية"؟
تاريخ النشر : 12 سبتمبر, 2026 10:39 صباحاً

فتح ميديا - متابعة:

منذ أسابيع عدة، وتُظهر استطلاع الرأي في "إسرائيل" تراجع معسكر بنيامين نتنياهو لصالح المعارضة، كما يحظى منافسه رئيس أركان جيش الاحتلال الأسبق غادي آيزنكوت فرصة أفضل في رئاسة حكومة الاحتلال المقبلة حال جرت انتخابات الكنيست في هذه الفترة.

تراجع فرص نتنياهو ومعسكره في قيادة الحكومة المقبلة قد تدفعه إلى خطوة مجنونة في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو لبنان وإيران، من أجل كسب مزيد من الأصوات، أو تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، بزعم حالة الطوارئ حتى اشعار آخر.

ووفق استطلاعات الرأي الإسرائيلية، فقد هبط حزب "الليكود" إلى 19 مقعداً مسجلاً أدنى نتيجة منذ مايو/أيار 2025، بينما حصد تحالف أحزاب المعارضة 58 مقعداً، ونالت الأحزاب العربية 12 مقعداً، مع تراجع نسبة المترددين إلى 7.5% بعد إغلاق القوائم.

سقوط

كما حافظ غادي آيزنكوت على تقدمه أمام بنيامين نتنياهو لمنصب رئيس حكومة الكيان بنسبة 50% مقابل 38%، كما تفوق نفتالي بينيت على نتنياهو بنسبة 45% مقابل 40% من أصوات المستطلعين.

مساء الثلاثاء الماضي، انتهت لجنة الانتخابات في "إسرائيل" من استقبال قوائم المرشحين، ومنذ أن أعلنت هذه الحكومة عن ثورتها القضائية اختلّت صورتها لدى الرأي العام الذي أعطاها تفويضاً بتشكيل الحكومة ليأخذ بالانزياح ويجردها من أغلبية كانت قد حصلت عليها للتو، ثم جاء السابع من أكتوبر ليزيد من طينتها بلة.

وقد ظلت الأرقام بعيدة عن أن تعطي لبنيامين نتنياهو أي فرصة لتشكيل الحكومة، فإسرائيل انقسمت إلى معسكرَين وتسمّرت عند نفس الأرقام، وأي تغير كان يجري في المعسكر الواحد دون قدرة أي منهما على كسر أرقامه، فذات مرة وصل بيني غانتس الذي لا يتجاوز نسبة الحسم إلى 42 مقعداً في بداية حرب الإبادة، لكن ذلك لم يؤثر على أرقام المعسكرات، فكل منهما يأكل من نفس الكتلة.

المحلل السياسي أكرم عطالله، يرى أنه لا يختلف الكثيرون على أن نتنياهو هو الأكثر دهاء بين الشخصيات التي قادت "إسرائيل" منذ تأسيسها، بل يوصف بأنه الساحر الذي لا يتوقف عن إخراج الأرانب من أكمامه، لكنه يدخل هذه الانتخابات بلا أي أمل بالفوز.

قال عطالله: لكنه ليس من النوع الذي يستسلم حتى لو عمل على حرق المنطقة كما قال أيهود باراك رئيس الوزراء الأسبق رئيسه السابق في وحدة "سييرت متكال"، وهنا يتبدى أمر مقلق لشخصية بهذا العنف وبهذا المرض النفسي من تضخم الذات، وبهذا الدهاء وبهذه التجربة الطويلة التي اعتقد صاحبها أنه سيدخل التاريخ كواحد من العظماء وإذ به ينتهي كواحد من أكثر رؤساء وزراء إسرائيل فشلاً، بل إن بديله سيشكل حين يتمكن من إقامة حكومة لجنة تحقيق رسمية لتحاكم هذا التاريخ وستلعنه، فهل يستسلم؟

النظام الإيراني

أضاف: "في الآونة الأخيرة يتصرف نتنياهو كفيلٍ في دكان للخزف تحت وقع الاستطلاعات محاولاً تحسينها بعد أن افترض أنه احتفظ بورقة الجوكر في لعبة الورق، وهي إسقاط النظام في إيران، وقد تم توقيتها في نصف العام الأخير للانتخابات، فيكون قد أحدث هذا التغير الهائل على مستوى المنطقة وانتزع صلاحية إعادة هندستها ورسم خرائطها ومضائقها وعلاقاتها، ومرسخاً "إسرائيل" التي ضربت في السابع من أكتوبر كدولة إقليمية مهيمنة بلا منازع يحج إليها الإقليم تطبيعاً وتطويعاً... لكنه اكتشف أن الورقة الأخيرة بلا رصيد فماذا سيفعل؟

وتابع عطالله: "هو السؤال الحائر لدى شخص بهذا القدر من الغطرسة ألقى بكل أوراقه على طاولة قمار السياسة وخسر كل شيء، فهل يمكن أن يسلم ويذهب للانتخابات دون فعل وهو لا يزال يمتلك كل الإمكانيات من علب الكبريت وبراميل الوقود، خصوصاً أن الضربات باتت تنهال عليه من كل الاتجاهات، آخرها تقرير الكاتب شلومي ألدار في صحيفة "هآرتس" الذي أحدث هستيريا لدى نتنياهو وطواقم الليكود، ما يزيد من سؤال العنوان: ماذا سيفعل نتنياهو الذي يحتفظ دوماً بأرانبه؟

وأكمل حديثه: "السؤال الكبير الذي يتعلق بناخب إسرائيلي سيحاسب ويحاكم بعد شهر ونصف الشهر، شاهراً صوته ضد من يعتقد أنه قدم نفسه ليعمل حارساً وفي ساعة الحدث كان يغط في نوم عميق، والأهم أن التسريبات جميعها باتت تكشف أنه تلقى ما يكفي من التحذيرات لكنه فضّل النوم، وأغلب الظن أنه كان يعتقد أن هناك شيئاً قادماً وقد انتظره لأن عملية محدودة لحماس يمكن أن تكون سبباً للحرب على غزة، وهكذا ينفض المتظاهرون الذين كانوا مصدر قلق كبير منذ عشرة أشهر، دون أن يعرف أن العملية التي خطط لها الشهيد يحيى السنوار أكبر مما يعتقد، وأنها ستطيح به وستضعه أمام حساب عسير".

وتساءل عطالله.. فهل يمكن لنتنياهو الذي أعلن في اليوم الأول أنه سيغير وجه المنطقة ويسقط حكم "حماس" وسلاحها أن يدخل انتخابات بهذا الواقع أم سيسعى لتغييره؟

يرى، أن الجواب المنطقي أن دخوله للانتخابات دون تغيير يعني إعداماً سياسياً، ما يجعلنا نخشى إقدامه على مغامرة يحاول فيها تحسين المقاعد ورفع الاستطلاعات. فهو في حديثه في اجتماع لحملة الليكود، أمس، يتحدث عن أن الحزب سيحصل على 30 مقعداً، فمن أين جاءت كل هذه الثقة؟ ونتنياهو ليس بالشخص الغبي صحيح أنه يحاول بث أجواء تفاؤل في أوساط الحملة، لكن دون ذلك فإنه سيدفع ثمناً كبيراً، فالقضايا الجنائية تنتظره ولجنة تحقيق في السابع من أكتوبر أيضاً تنتظره، وكل واحدة منهما قنبلة كبيرة بالنسبة له فسيعمل بكل الوسائل وبشكل انتحاري لتغيير الوضع.

مغامرة

وقال: "إذا اتفقنا أن نتنياهو لا يستطيع الذهاب لانتخابات دون مغامرة يحاول فيها تحسين مكانته، علينا أن نسأل: أي الساحات المرشحة؟ وما شكل الفعل الذي يمكن أن يساعده بذلك؟ كل الساحات مرشحة. لكن تبقى ساحة غزة هي التي شكلت العقدة بالنسبة للإسرائيلي الذي وجدها في شوارعه ذات صباح، وهي الوعد لذلك المواطن، لذا مهم نزع فتيل أو لجم ذئب جريح بحجم نتنياهو لا تزال أنيابه حادة".

صحيفة "الأخبار" اللبنانية، قالت: يتردّد في لبنان سؤال عمّا إذا بنيامين نتنياهو يسعى إلى حرب جديدة على الساحة اللبنانية، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المُقرّرة في 27 تشرين الأول المقبل. غير أن ربط الحرب مباشرة بالحاجة الانتخابية لنتنياهو يبقى استنتاجاً يفتقر إلى الإثبات.

وأضافت الصحيفة، فما يحتاج إليه نتنياهو انتخابياً قد يكون أقل من شنّ حرب جديدة، وإن كان أكثر تعقيداً. ذلك أن حاجته أكثر أنلا تتوقّف حالة الحرب القائمة، وألا تُغلق الجبهات المفتوحة بتسويات سياسية صارمة، وهو يأمل أن تبقى أمامه مساحة لالتقاط أي تطوّر أمني وتقديمه إلى الناخب الإسرائيلي دليلاً إضافياً على الحاجة إلى "رجل الأمن".

بهذا المعنى، لا تكمن المصلحة السياسية لنتنياهو بالضرورة في إشعال حرب شاملة، بما تنطوي عليه من مخاطر عسكرية وبشرية واقتصادية وسياسية قد تخرج عن السيطرة وتنقلب عليه، بل في الحفاظ على "بيئة أمنية" تبقى فيها الحرب قائمة ولو بوتيرة منخفضة. وتتيح له هذه البيئة إبقاء التهديدات الخارجية في صدارة النقاش العام الإسرائيلي، في مقابل إبعاد مركز الثقل الانتخابي عن الملفات الداخلية وعن إخفاقاته السياسية والأمنية.

مناطق أمنية

ومن هنا يمكن قراءة موقف نتنياهو الرافض لمسارات سياسية بأن يقود ذلك إلى انسحابات أو إغلاق بعض الجبهات. وقد أفادت "القناة 13" العبرية في تموز الماضي، بأن "نتنياهو أبلغ وزراءه أنه سيرفض طلباً أميركياً بتنفيذ انسحابات من لبنان وسوريا وغزة"، فيما نقل موقع "أكسيوس" الأميركي - الإسرائيلي عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلب من نتنياهو بدء "إعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج سوريا ولبنان"، علماً أن نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس أعلنا في حزيران الماضي، تمسّكهما ببقاء القوات الإسرائيلية في ما تصفه إسرائيل بـ"المناطق الأمنية" في لبنان وسوريا وغزة من دون تحديد سقف زمني لهذا الوجود.

بالنسبة إلى نتنياهو، قد تخدم التسويات السياسية مصلحة إسرائيل بوصفها دولة، لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطرة انتخابية: نقل ساحات المواجهة من خانة "التهديد" إلى خانة "المشكلة المحلولة". وعندها، يصبح من الأسهل انتقال اهتمام الناخب الإسرائيلي إلى الداخل، فيما تُظهِر استطلاعات متعاقبة أن ائتلاف نتنياهو يواجه احتمال خسارة الانتخابات، في ظلّ تراجع الثقة بقيادته. أمّا إذا بقيت غزة مفتوحة على احتمالات التصعيد، والجبهة الشمالية في لبنان وسوريا قابلة للاشتعال، وإيران في قلب مواجهة مستمرة، فيبقى الأمن مرشّحاً للاحتفاظ بموقع متقدّم في الحملة الانتخابية، وتبقى معه الحاجة السياسية إلى صورة نتنياهو بوصفه القادر على إدارة الأخطار الخارجية.