العاصفة حول النشر في «هآرتس» تؤكد الحاجة إلى لجنة تحقيق رسمية
تاريخ النشر : 10 سبتمبر, 2026 10:48 صباحاً

ترجمة مصطفى ابراهيم عن هآرتس

رفض الإمارات نفي التقرير قد يشير إلى ضيقها من نتنياهو، ويعيد إلى الواجهة الأسئلة الصعبة حول المسؤولية عن 7 أكتوبر. والارتباك المتعمد الذي تروّجه أبواق الحكومة يهدف إلى تقليل تأثير المجزرة على الناخبين.

مرت 48 ساعة منذ نشر التقرير المثير الذي أعدّه شلومي إلدار وروتي يوفال في ملحق «هآرتس»، ولم يصدر أي نفي من الإمارات العربية المتحدة. فقد أورد إلدار ويوفال تفاصيل دقيقة عن محادثة تحذير أجراها رئيس الإمارات، محمد بن زايد، مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، قبل نحو عشرة أيام من المجزرة التي وقعت في بلدات غلاف غزة. أما الرد الرسمي لوزارة الخارجية الإماراتية، فقال إن «المعلومات الاستخبارية نُقلت بين البلدين عند الحاجة».

لا يوجد هنا بالتأكيد أي نفي. وهذا يتناقض تماماً مع الرد الأولي الشامل الصادر عن مكتب نتنياهو، الذي وصف التقرير بأنه كذبة مطلقة. وفي بيان نُشر مساء أول من أمس، سارع رئيس الحكومة، كعادته، إلى تفتيت المسؤولية وإلقائها على المستويات المهنية. وجاء في البيان: «إذا كانت هناك معلومات ذات صلة، فقد جرى نقلها عبر القنوات الاستخبارية بين البلدين». وفي صباح أمس، أعلن مكتبه أن رئيس الحكومة أوعز إلى محاميه برفع دعوى تشهير ضد «هآرتس» والصحفيين الاثنين. وأضاف البيان أنه لا يوجد توثيق للمحادثة مع حاكم الإمارات.

ولعل هذا هو المكان المناسب للتذكير بأن نتنياهو ورجاله ضُبطوا في السابق وهم لا يقولون الحقيقة، بما في ذلك خلال الحرب، في قضايا «بيلد»، والعلاقات التي أقامها بعض مستشاريه مع قطر، وتعقيدات صفقات الأسرى.

يمكن الافتراض أن نتنياهو مارس خلال اليومين الأخيرين ضغوطاً كبيرة على حاكم الإمارات لكي يصدر نفياً حاداً. فالعلاقات بين البلدين وثيقة، والإمارات حرصت على عدم توجيه إدانات شديدة لإسرائيل بسبب تحركاتها في غزة ولبنان، في أعقاب المجزرة التي نفذتها حماس في 7 أكتوبر. بل أكثر من ذلك، حرص نتنياهو على تزويد الإمارات بأنظمة دفاع جوي، من بينها بطارية «القبة الحديدية»، خلال الحرب مع إيران. والإماراتيون مدينون له، لكن ربما ليس إلى هذا الحد.

وهنا يبرز سؤال مثير للاهتمام: هل من الممكن أن يكون محمد بن زايد ومستشاره المقرب، القيادي السابق في حركة فتح محمد دحلان، قد سئما من نتنياهو وقررا المساعدة في إسقاطه في انتخابات 27 أكتوبر؟

يبدو أن الأسبوع الأخير لم يكن موفقاً لنتنياهو. فقد انفجرت القضية وأثارت صدى هائلاً عشية إغلاق القوائم الانتخابية للكنيست، في وقت لم يتمكن فيه من فرض المزيد من التحالفات التي كان يحتاج إليها داخل أحزاب اليمين، كما واجه صعوبة في تجنيد مرشحين ذوي وزن لضمهم إلى قائمة الليكود.

بعد كل ما حدث خلال السنوات الأربع الأخيرة، من الانقلاب القضائي إلى الحرب، من المشكوك فيه أن يغيّر كثير من الناخبين مواقفهم، في هذا الاتجاه أو ذاك. ومع ذلك، فإن ارتباك نتنياهو يتزايد. ويبدو أنه لم تعد لديه أوراق كثيرة يخفيها في جعبته، ومن هنا يتزايد القلق من احتمال أن يقدم على خطوات عسكرية خطرة في إحدى الجبهات.

ومن بين كل المعلومات التي أوردها التقرير، والردود التي نُشرت في أعقابه، يبرز بصورة خاصة التقرير الذي يفيد بأن بن زايد أطلع، بعد وقوع الأحداث، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي. آي. إيه» في إدارة بايدن، وليام بيرنز، على ما جرى. بيرنز دبلوماسي ورجل استخبارات مخضرم، وشخص موثوق للغاية. وإذا كان قد سمع عن التحذير، بعد وقوعه، من رئيس الإمارات، الذي عبّر عن إحباطه من نتنياهو، فإن ذلك يعزز كثيراً مصداقية الرواية.

كما أن رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت ألمح بوضوح إلى أنه سمع عن الأمر من الإماراتيين، بعد أن التقى مؤخراً بن زايد.

ومع ذلك، فإن التقرير يثير أسئلة كثيرة تتطلب مزيداً من التحقق الرسمي والموثوق. فإذا كانت قيادة حماس قد استعدت للهجوم على مدى سنوات، ونفذت جهوداً واسعة للخداع، فما الذي كان يخدمه نقل رسالة التحذير  من السنوار قبيل اتخاذ قرار تنفيذ الهجوم؟

وقد يكون استخدام كلمة «إنذار» أو «تحذير» نفسه بحاجة إلى مزيد من الدقة. فحاكم الإمارات نقل تحذيراً عاماً، لم يتطرق إلى هجوم مخطط له في موعد محدد. وهذا لا يشبه تماماً قضية «الملاك»، وهو العميل المصري للموساد أشرف مروان، الذي نقل إنذاراً استخبارياً مفصلاً عشية الهجوم المصري ـ السوري في أكتوبر/تشرين الأول 1973.

وأدى التحقيق إلى صدور بيان نادر عن رؤساء الأحزاب الأربعة في المعارضة، الذين ـ كعادتهم ـ لم يدعوا الأحزاب العربية، طالبوا فيه بالتحقيق في المعلومات، وبشكل أساسي بإقامة لجنة تحقيق رسمية في أحداث المجزرة.

ويجب أن تبقى هذه المطالبة مطلباً أساسياً للمعارضة إذا فازت في الانتخابات. فإلى حد كبير، تجري الانتخابات حول الحاجة إلى معرفة ما الذي حدث بالضبط في الطريق إلى المجزرة، ومحاسبة المسؤولين عنها؛ أولاً من خلال حكم الناخب، وبعد ذلك من خلال تحقيق صارم تجريه لجنة تحقيق رسمية.

في المقابل، فإن كثرة تصريحات نتنياهو وزوجته وأبواقه، حتى قبل نشر التقرير في «هآرتس»، بشأن أحداث 7 أكتوبر، ليست مصادفة. ويبدو أن الأمر محاولة لتعكير المياه عشية الانتخابات.

فكلما نُشرت روايات متناقضة حول ما حدث، حتى لو كان بعضها مفبركاً تماماً، ازداد الارتباك بين الناخبين الذين سيجدون صعوبة في فهم تفاصيل القضية والتمييز بين الحقيقة والوهم. وبناءً على ذلك، قد يتراجع أيضاً تأثير المجزرة على اعتبارات الناخبين في صناديق الاقتراع.

يبدو أن هذه هي المهمة رقم واحد لقناة 14 وقنوات أخرى تعمل باسم النظام في هذه الأيام. وبالفعل، تم هذا الأسبوع تحطيم رقم قياسي جديد على يد العضو الجديد في قائمة الليكود، الناشط الحزبي يعقوب بردوغو، الذي ألمح في بث عبر محطة «غالي يسرائيل» إلى أن مسؤولاً كبيراً في حماس، ألقى الجيش الإسرائيلي القبض عليه في غزة الأسبوع الماضي، لم يُخدّر بعد إصابته من قبيل الصدفة (في إشارة ضمنية إلى أنه خُدّر حتى لا يروي الحقيقة عما حدث في تلك الليلة المصيرية، بطريقة كان من شأنها، بطريقة ما، أن تعزز رواية نتنياهو بأنه تعمّد عدم إيقاظه).

إن ما نشره إلدار ويوفال يجب أن يقلق كل إسرائيلي، وهو لا يستدعي من نتنياهو مجرد إجابات أكثر إقناعاً، وإنما أيضاً تحقيقاً أكثر شمولاً تجريه جهة رسمية مستقلة ومخولة. لكن في خضم الجدل حول الماضي القريب، لا يجوز أن ننسى أيضاً ما يحدث الآن أمام أعيننا، نتيجة مباشرة لسياسة الحكومة، عشية الحرب وخلالها.

المقاطعة الأوروبية المتصاعدة

أبرز مثال في الأيام الأخيرة هو المقاطعة الأوروبية المتصاعدة، التي تقودها بريطانيا ضد المنتجات القادمة من المستوطنات، ولا يقل عن ذلك أهمية الرد شديد التحفظ من جانب الإدارة الأميركية على هذه التحركات.

إن الدمار والقتل الواسعين اللذين خلّفهما الجيش الإسرائيلي في غزة رداً على المجزرة المروعة، وعنف المستوطنين في الضفة الغربية الذين يتحركون بدعم حكومي واضح، هما ما أوصلا إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق من التدهور في علاقاتها الخارجية.

وحدث ذلك تحديداً في أعقاب المجزرة التي ارتكبتها حماس بحق مدنيين أبرياء.

لقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه بسبب الطريق الذي سلكناه، ونتنياهو هو المسؤول الرئيسي عن ذلك.