تهجير غزة... معوّقاتٌ تصل حد الاستحالة
تاريخ النشر : 05 سبتمبر, 2026 11:18 صباحاً

 

في غمار الحملة الانتخابية الأشرس والأشد حدة منذ تأسيس الدولة العبرية، عاد تهجير الغزيين إلى الواجهة من جديد، وتولّى وزير الحرب إسرائيل كاتس، طرح المسألة كحلٍ نهائيٍ لغزة. ولكنه ربط التهجير بضوءٍ أخضر أمريكي، زاعماً أن الرئيس ترمب ما يزال يضع التهجير على جدول أعماله. تركيز الضوء على أمريكا في هذا المشروع المستحيل، هدفه تحميلها مسبقاً مسؤولية الفشل.

من التبسيط المفرط اعتبار حكاية التهجير من غزة مجرد شعارٍ انتخابيٍ لحصد الأصوات، فهي في خطط إسرائيل وبرامجها منذ التأسيس مسألة جدية، لها من يعتنقها في الأوساط السياسية والحزبية، بصرف النظر عن تصنيفها متشددة أو معتدلة، غير أن ما ينبغي أن يُنظر إليه بخصوص هذه المسألة ليس فقط ما تريده إسرائيل، ولا ما يصرّح به سياسيوها من الرسميين والحزبيين، بل لابد من الإجابة عن السؤال الأهم، هل هنالك إمكانيةٌ حقيقيةٌ لتنفيذ عملية تهجير الملايين من البشر؟ وهنا يجدر بنا تحديد المعوّقات الفعلية لتنفيذ عمليةٍ واسعةٍ من هذا النوع.

أولاً.. على مدى سنوات عمر الدولة العبرية، لم تتوقف عمليات الإبعاد والتهجير من خلال التضييق الممنهج على حياة الفلسطينيين، ويسجّل عدّاد النتائج بالأرقام فشلاً ذريعاً في هذا المشروع، من خلال النمو الديموغرافي المذهل للفلسطينيين في غزة، التي حوربت واحتلّت عدة مرّات، وكذلك الأمر في الضفة.

ثانياً.. إن تفريغ غزة وتخفيف الكثافة الديموغرافية في الضفة، يتطلّب النظر إلى الأدوات والآليات التي يتعين توفيرها لتنفيذ عملٍ كبيرٍ كهذا، لنجد أن معيقاته تصل حدّ الاستحالة، فلا الملايين الفلسطينية مستعدةٌ لهجرةٍ طوعيةٍ إلى منافٍ مجهولة، ولا إسرائيل مالكة إمكانيات الهجرة القسرية، وهذا تحدٍ يبسطه الإسرائيليون في تصريحاتهم وبرامجهم الانتخابية، ولكنهم لا يملكون أدوات تحقيقه، وقرينتنا على ذلك ما فشلت فيه إسرائيل على مدى عمر الدولة، وعبر كل الحروب التي خاضتها وكانت تصفية القضية الفلسطينية وأهلها أحد أهم أهدافها.

ثالثاً.. من الأيام الأولى لحرب الإبادة على غزة، عملت إسرائيل على تأسيس البنية التحتية للتهجير، كميناءٍ أو تحديد عدة موانئ، ومطارٍ وحوافز مالية، وكان الرئيس ترمب معها في حكاية التفريغ، حين طرح فكرة الريفييرا وأساسها أن لا يبقى غزيٌ واحد على أرضه، وأن لا يعود أي مهاجرٍ منها، ورغم هول الحرب إلا أن المشروع فشل، ما أرغم إسرائيل على التقليل من الحديث عنه، وأجبر ترمب على التراجع عن "ريفييرته".

رابعا.. من هي الدولة أو الدول التي ستستقبل الملايين على أرضها؟ وأن تبني لهم حياةً فيها؟ ولكي نضع النقاط على الحروف في هذا الأمر بالغ الأهمية، فيكفي معرفة كم دولة تمّ الاتصال بها أمريكياً وإسرائيلياً لاستقبال المهجّرين، ومن الذي استجاب؟ ... لا أحد.

غير أن المعيقات التي تصل إلى مستوى المستحيلات، ينبغي أن تُخدم سياسياً عربياً وإسلامياً ودولياً، وفلسطينياً قبل كل شيء، بتوفير ما يلزم للفلسطيني كي يواصل صموده على أرضه، مع العمل الدؤوب على إغلاق جميع أبواب الدول أمام التهجير الذي وإن اتخذ سمة الطوعي شكلاً إلا أنه قسريٌ في الحقيقة، ولا شك في أن العالم يمتلك إمكانياتٍ فعّالة لجعل التهجير أمراً محرّماً دولياً، بل ينبغي معاقبة من يقدمون عليه كجريمة حرب، وهذا لا يكون تلقائياً بل يحتاج إلى جهدٍ فلسطينيٍ وإقليميٍ ودولي، وإلى عملٍ دؤوبٍ ومتكاملٍ في هذا الاتجاه.