عدلي صادق
تطالعنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور لفعاليات تجري في قطاع غزة، وسط واقع مثقل بالحرب والدمار وشحّ أبسط مقومات الحياة. غير أن هذه المشاهد لا تخفف وطأة الصور المريرة فحسب، بل تكشف أيضاً عن رباطة جأش هذا الشعب الشجاع، وقدرة شرائح واسعة، ولا سيما الشباب، على التصرف بحكمة وعقلانية، والتغلب على الخوف، والحفاظ على تماسكهم في مواجهة المفاجآت والمصائب.
فالهدوء في مواجهة الضغط والمصاعب، والقدرة على مواصلة الحياة رغم قسوتها، هما من أرفع درجات الشجاعة.
وكل الاعتزاز بالمرأة الفلسطينية؛ الأم والأخت والابنة والعروس والزوجة، التي تواصل حضورها في المشهد الغزي رغم كل ما يحيط بها من ألم وحرمان.
فالصور التي توثق هذه الفعاليات تحمل رسائل كثيرة؛ ففي غزة، تجتمع الشابات في كامل أناقتهن، بخُمرهن وأغطية الرأس التي اخترنها، رغم غياب الماء والكهرباء وشح الطعام، وكأنهن يؤكدن أن الحرب مهما اشتدت لن تنتزع منهن حقهن في الحياة والفرح والأمل.
وفي غزة، تضع النساء كل أشكال الشقاء جانباً، ويتوجهن نحو المعرفة والتعلم، مستفيدات مما يمكن توفيره من أنشطة ومخيمات ثقافية صيفية، في إصرار واضح على أن يبقى التعليم مساحة مفتوحة للحياة، حتى في أقسى الظروف.
وفي مشهد آخر، تقف الابنة فاطمة ماهر أمام لوحة للشرح، تمسك إصبع حبر للكتابة، جرى تدبيره في ظل صعوبة الحصول حتى على "ولاّعة"، فيما تتصدر المكان لافتة أُعدت بوسائل بسيطة، لكنها تبدو أنيقة وكأنها خرجت من مطبعة في إحدى العواصم الآمنة.
حتى الإضاءة يجري تدبيرها لبرهة بواسطة مولد كهرباء، لتكتمل صورة تختصر الكثير: أناس يحاصرهم الخوف والحرمان، لكنهم لا يسمحون لهما بأن يسلباهم قدرتهم على الاستمرار.
إنها رباطة الجأش في أصدق صورها؛ تلك التي يشتد فيها قلب الإنسان ويثبت، فلا يهرب عند الفزع، ولا يتخلى عن حياته وأحلامه رغم المصائب.
وهذه الصور، في جوهرها، ليست مجرد توثيق لفعالية نسوية، بل واحدة من أشكال الرد على حماقة آلة الحرب التي تشن حرب إبادة على غزة، وتتوعدها بإفراغها من سكانها.
غزة التي تُحاصر وتُدمّر، لا تزال قادرة على أن تجمع نساءها وشاباتها، وأن تفتح أبواباً للمعرفة، وأن تصنع من أبسط الإمكانات مساحة للحياة.
طوبى لكِ يا غزة.
وطوبى للصابرين من أجل البر، فإن لهم ملكوت السماوات.
وقد أرفق الكاتب عدلي صادق هذه الصورة مع تدوينة له عبر صفحته في موقع فيسبوك نعبيراً عن المقالة:
![]()