مراجعة الماضي دون تصفية الحسابات ... قراءة في رؤية القائد دحلان السياسية "2"
تاريخ النشر : 03 سبتمبر, 2026 09:52 صباحاً

تأتي دعوة القائد محمد دحلان إلى مراجعة الماضي دون تصفية الحسابات السياسية في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، لأن الانقسام أكثر كُلفة من أي وقت مضى، وتكتسب هذه الفكرة قوة وأهمية في محاولة الفصل بين الحاجة إلى فهم الماضي وتقديم مراجعة سياسية، لا فتح معارك جديدة، بل لاستخلاص الدروس والعبر من أجل تطوير نظام سياسي فلسطيني على أسس مختلفة.

ما لَفت النظر في طرح القائد دحلان في رؤيته السياسية والاستراتيجية للخروج من المأزق الفلسطيني الحالي هو أنه يعترف بتعدد المسؤوليات عن الانقسام الفلسطيني، وأن الجميع جزء لا يتجزأ من حالة التيه التي تضرب القضية الوطنية الفلسطينية، ولكنه يرفض وضع كل الأطراف في سلة واحدة أو تحميل طرف دون الأخر المسئولية.

تراكم الانقسام الفلسطيني الفلسطيني عبر السنوات الماضية، كان خطأ استراتيجي ووجودي، وقد حان الوقت لتقديم مقاربات أكثر واقعية من الخطابات التي تنطلق من رواية أحادية لا تعبر عن مضمون الواقع، بل هي جَلد الذات في وقت تحتاج القضية الوطنية الفلسطينية إلى تحييد لغة التخوين وتفكيك الأزمات السياسية والمؤسسية والأمنية، وحَصر الصراع على الشرعية والسلطة والتمثيل، نحو خدمة المواطن الفلسطيني وفق أجندات وطنية فلسطينية، ومنعاً للتدخلات الإقليمية والعربية والدولية المتشابكة والتي لا تصب في مصلحة القضية الفلسطينية.

 تَفرد القائد دحلان بتعريف وظيفة الذاكرة السياسية الفلسطينية من خلال الاعتراف بالخطأ وتقديم حلول للمستقبل القريب، من خلال تعزيز خطاب السلم الأهلي ونبذ العنف والكراهية، وأن تُمثل ذاكرة الانقسام دافعاً نحو فهم أسباب فشل الوحدة الوطنية خلال العشرين عاماً الماضية، وأن يتحول إلى مصدر للتعلم السياسي، في تفنيد أوراق الواقع ومنع سياسة الانتظار والرهانات الإقليمية والدولية.

 الرؤية الاستراتيجية التي قدمها القائد دحلان في رسالته لكوادر وعناصر تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، هدفها الأسمى هو التصالح السياسي مع الخصوم والحلفاء والمعارضون، وذلك تحقيقاً لقدرات وقواعد اتفاق جديد لإدارة الخلافات من خلال التقارب السياسي المصلحي مع كافة الفصائل والقوى الفلسطينية، من أجل ضَخ دماء جديدة في النظام السياسي الفلسطيني تكون لها القدرة على اقناع الشركاء العرب والأوروبيين بحقوق الشعب الفلسطيني.

من الواضح أن العُهدة الجديدة للسياسة الفلسطينية سوف تتجاوز الانقسام السياسي، وتؤسس لشراكة وطنية فلسطينية على قاعدة واحدة يجب أن تتغير التجربة السياسية الفلسطينية، لا تفرد في صناعة القرار ولا في اتخاذه، من خلال مجموعة من المشروعات السياسية التي تقوم على وضع السلاح تحت تصرف السلطة الشرعية ومنع احتكار القرار الوطني، واجراء انتخابات رئاسية وتشريعية ومجلس وطني ومجالس محلية بشكل دوري ، وتجريم الاقتتال الداخلي، وتعزيز السلم الأهلي، ورَفد المجتمع بالكفاءات السياسية والدبلوماسية القادرة على حمل هموم المواطن الفلسطيني.

رسالة القائد دحلان واضحة، هي لا تخلو من المحاسبة، وأيضا عنوانها الأسمى المصالحة، المحاسبة دون انتقام، والمصالحة من أجل تحويل الماضي إلى مستقبل مشرق ومزهر يواجه التحديات التي تعصف بالقضية الوطنية الفلسطينية.

إقرأ أيضا: المشكلة في النظام لا في التعددية: قراءة لرؤية دحلان السياسية "1"