المشكلة في النظام لا في التعددية: قراءة لرؤية دحلان السياسية "1"
تاريخ النشر : 02 سبتمبر, 2026 10:44 صباحاً

تُعد فكرة القائد محمد دحلان بأن المشكلة في النظام لا في التعددية من أكثر الأفكار أهمية في رسالته الأخيرة، لأنها تعيد تعريف الأزمة السياسية الفلسطينية بعيدًا عن منطق تحميل فصيل بعينه مسؤولية الانقسام.

فالتعددية السياسية ليست في ذاتها مشكلة، بل هي ظاهرة طبيعية في أي مجتمع يسعى إلى تمثيل مختلف الاتجاهات والمصالح. والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تعجز المؤسسات والقواعد السياسية عن إدارة هذا الاختلاف بصورة سلمية وديمقراطية.

وتتميز هذه الرؤية بأنها تنقل النقاش الفلسطيني من سؤال من المسؤول عن الانقسام؟  إلى سؤال أكثر أهمية: لماذا أنتج نظامنا السياسي الانقسام؟ وكيف نمنع تكراره؟ . وهذا التحول في التفكير يمثل خطوة ضرورية للخروج من دائرة الاتهام المتبادل، التي استنزفت الفلسطينيين لسنوات طويلة، وأبقت الخلافات السياسية أسيرة الماضي.

كما أن القائد دحلان من خلال رسالته، وأيضا من خلال لقاءاته المتكررة بالفصائل والقوى السياسية الفلسطينية، لا يدعو إلى إلغاء فتح أو حماس أو بقية القوى السياسية، وإنما يعترف بحقها في الوجود والمنافسة، مع ضرورة إخضاع الجميع لقاعدة واحدة، وهذه الفكرة تحمل مضمونًا ديمقراطيًا مهمًا؛ إذ يصبح الفصيل السياسي منافسًا على ثقة المواطن، وليس مالكًا للدولة أو محتكرًا للقرار الوطني.

وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل التجربة الفلسطينية المريرة، حيث أدى غياب قواعد متفق عليها لإدارة التعددية إلى انتقال الخلاف السياسي من المؤسسات إلى الشارع، ثم إلى الانقسام الجغرافي والسياسي. ولذلك فإن معالجة المشكلة من جذورها تتطلب بناء نظام سياسي مَرن يستطيع استيعاب الاختلاف بدلاً من محاولة إلغائه.

ومن نقاط القوة أيضًا أن الرؤية السياسية التي قدمها القائد دحلان، تفتح الباب أمام إعادة بناء الشرعية الفلسطينية على أساس المواطنة والانتخابات والمؤسسات. فبدل أن تستمد القوى السياسية شرعيتها من تاريخها أو قوتها التنظيمية أو العسكرية، تصبح الشرعية مرتبطة بإرادة المواطن وصندوق الاقتراع واحترام القانون.

وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية للفكرة: فهي لا تقترح استبدال هيمنة فصيل بهيمنة فصيل آخر، وإنما تسعى، من حيث المبدأ، إلى تغيير قواعد اللعبة السياسية نفسها. وهذا هو الفارق بين المصالحة المؤقتة وإعادة بناء النظام السياسي.

لذلك يمكن النظر إلى هذه الفكرة باعتبارها دعوة إلى تحويل التعددية من مصدر للصراع إلى مصدر للقوة، وإلى جعل الاختلاف السياسي وسيلة لإثراء المشروع الوطني لا سببًا لتدميره.

وإذا استطاعت القوى الفلسطينية تحويل هذا المبدأ إلى قواعد دستورية ومؤسساتية تحترمها جميع الأطراف، فقد يشكل ذلك أساسًا حقيقيًا لمرحلة فلسطينية جديدة، يكون فيها الوطن أكبر من الفصيل، والمؤسسة أقوى من الشخص، وإرادة المواطن أعلى من الجميع.