هل يدفع تطبيق "تيك توك" ثمن الحرب الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين؟
تاريخ النشر : 18 مارس, 2023 12:35 مساءً

فتح ميديا-القدس

بقلم: ديمتري دلياني

في الأونة الأخيرة، أثارت التهديدات الأمريكية بحظر تطبيق التواصل الاجتماعي الصيني "تيك توك" اهتمامًا كبيرًا في الأوساط الدولية. وتأتي هذه التهديدات كجزء من الحملة الأمريكية المستمرة لمكافحة نمو القدرات التجسسية الصينية بمفهومها المُعلن وما تدعي بانه حماية للأمن القومي للولايات المتحدة.

و "تيك توك" هو تطبيق مقاطع الفيديو القصيرة تم إطلاقه لأول مرة في الصين في عام 2016، ومنذ ذلك الحين، انتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم وأصبح واحدًا من التطبيقات الأكثر شهرة في العالم، خاصة بين فئة الشباب.

وتحظى التطبيقات الصينية بشكل عام بانتباه الحكومة الأمريكية في الآونة الأخيرة، الامر الذي ادى الى العديد من التحقيقات والتحليلات لتقييم مدى تأثير تطبيقات مثل تيك توك على الأمن القومي الأمريكي، وفي النهاية، أصدرت الحكومة الأمريكية تحذيرًا من أنها ستقوم بحظر التطبيقات الصينية التي تشكل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الاسبق دونالد ترامب، وتهديد جديد ادلى به الرئيس الامريكي الحالي، جو بايدن، مؤخراً بحظر تطبيق التيك توك اذا لم تقم الشركة المالكة الصينية للتطبيق ببيعه. 

تهديدات الحظر لتيك توك أثارت قلق العديد من المستخدمين، حيث يعتبر التطبيق أحد أكثر التطبيقات استخداما في العالم، ويعد منصة مهمة لتبادل المعلومات والمحتوى بين الأشخاص في جميع أنحاء العالم. وقد أدى

هذا القلق إلى حراك على مواقع التواصل الاجتماعي ودعوات ملحوظة للمستخدمين لتحميل تطبيقات بديلة تحظى برضى الحكومة الأمريكية، مثل تطبيقات مثل Triller وLikee وغيرها.

ومع ذلك، فإن الحظر المحتمل لتيك توك يبقى في اطار التهديدات، ولا يزال المستخدمون يتابعون بترقب الوضع. ومن المهم أن نلاحظ أنه بغض النظر عن ما إذا كان هناك حظر أم لا، فإن هذه الأحداث تعكس العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة والصين والمخاوف الأمنية المستمرة والتنافس الاقتصادي في اطار الحرب الجيوسياسية بين الجانبين.

والحرب الأمنية التي تتذرع بها الادارة الامريكية في استهدافها لتطبيق "تيك توك" تتعلق بشكل مباشر بالنزاعات الجيوسياسية مع الصين. وتتمحور هذه الحرب بشكلها الاعم حول قضايا مثل الوجود العسكري في بحر الصين الجنوبي، والملف النووي الكوري الشمالي، وقضايا التجارة الدولية والملكية الفكرية بحيث تعد جوانب النزاع والتنافس بين الولايات المتحدة والصين قضية معقدة وحساسة. كما تعتبر الصين منافسًا عسكرياً قويًا للولايات المتحدة وتعمل بشكل دائم على تعزيز جيشها وتحديث تكنولوجياها العسكرية، مما يثير قلقًا في الولايات المتحدة ويدفعها للتصعيد في خطابها تجاه الصين خاصة في ظل الادارة الديموقراطية الحالية. ومن المؤكد أن الحرب الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، بكافة مكوناتها، تزيد من خطر النزاعات العسكرية والسياسية، بالرغم من الانجاز الصيني الكبير مؤخراً برعاية اتفاق اعادة العلاقات بين المملكة العربية السعودية وايران، وما تحمله الرعاية الصينية من مدلولات سياسية واقتصادية وامنية، بالرغم من قناعتي الشخصية بان الرعاية الصينية لهذا الاتفاق اتت أساساً بسبب الضغوطات التي كانت تتعرض لها مصالحها الاقتصادية نتيجة تنافس المملكة العربية السعودية وايران.

فعلى الجانب الاقتصادي، ومن وجهة نظر غربية، وامريكية تحديداً، يتعارض الاقتصاد الصيني مع النظام الاقتصادي العالمي، وتتهم الولايات المتحدة الصين بسرقة الملكية الفكرية وتحديث التكنولوجيا بطريقة غير شرعية. وبالتالي، تشهد الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين تصعيدًا متزايدًا من التدابير الاقتصادية، وتعتبر من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي في الوقت الحاضر، حيث تؤثر على العديد من الدول والصناعات. وعلى الرغم من أن الحرب الاقتصادية بين البلدين تأثرت بشكل كبير بالجائحة العالمية، إلا أنها لا تزال تشكل تحديًا كبيرًا للاقتصاد العالمي ولاسيما في الفترة الراهنة حيث نعيش اثار قرارات ذات تبعات اقتصادية اتُخذت الان الجائة. 

إن الحرب الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين ستستمر لفترة طويلة ولن تحل بسهولة. ومن مؤشرات ذلك أن البلدين يتبادلان الاتهامات والتهديدات باستمرار، ولكل منهما مصالحه الخاصة التي يريد حمايتها. ومع ذلك، فإن الحرب الاقتصادية تسببت ايضاً في العديد من التحولات في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك تعزيز التعاون الدولي وتوجه الشركات إلى أسواق أخرى، وهو ما يؤدي إلى تحولات كبيرة في الاقتصاد العالمي.

اما على المستوى الفردي، وفيما يتعلق بتطبيق "تيك توك" وغيره من التطبيقات بغض النظر عن بلد منشأها، فينبغي لنا جميعًا الاستفادة من هذه الأحداث كفرصة للتعلم والتفكير بشأن الأمن الرقمي والتحكم في معلوماتنا الشخصية على الإنترنت. وفي حين أن التطبيقات مثل تيك توك وغيرها قد تكون ممتعة وشعبية، فإنه من الضروري التأكد من أننا نستخدمها بحكمة وبأمان بشكل يحرص على حماية الأمن الرقمي والخصوصية الشخصية، وهذا يشمل التعلم عن كيفية تحديد التطبيقات الموثوقة، والتأكد من استخدام كلمات مرور قوية والتحقق من المعلومات التي يتم تبادلها على الإنترنت.

التهديدات الأمريكية بحظر تطبيق التيك توك الصيني تعكس أيضًا حاجة المجتمع الدولي إلى التعاون لتحقيق أمن الإنترنت والخصوصية الشخصية. وهذا يتطلب العمل بشكل مشترك لتحديد وتطوير المعايير الدولية الفعالة لحماية الأمان الرقمي وضمان حقوق المستخدمين وحرياتهم في عالم الإنترنت.