19عاماً على “مجزرة جنين” ومازال الجرح نازف والذكريات حاضرة في الأذهان

19عاماً على “مجزرة جنين” ومازال الجرح نازف والذكريات حاضرة في الأذهان

فتح ميديا_جنين 

مجزرة جنين

يوافق اليوم الثامن من أبريل الذكرى السنوية لمعركة مخيم جنين شمال الضفة الغربية الشهيرة، والتي سجلت كأحد الملاحم البطولية الهامة في انتفاضة الأقصى عام 2002، بما حملته من رمزية الوحدة والمقاومة والاستبسال في مواجهة الاحتلال.

وفي الوقت الذي ما زال فيه شبان وفتية المخيم يقارعون الاحتلال في شوارعه وأزقته مع كل عملية اقتحام، تتجدد الذكريات لديهم عن قادة عظماء، تركوا بصماتهم في هذه المعركة، بعضهم شهداء، وآخرون يقضون فترات حكم طويلة خلف قضبان الاحتلال.

وتشير مصادر السلطة الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان ومنظمات دولية أخرى أن القوات الإسرائيلية أثناء إدارة عملياتها في مخيم اللاجئين قامت بارتكاب أعمال القتل العشوائي، واستخدام الدروع البشرية، والاستخدام غير المتناسب للقوة، وعمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب، ومنع العلاج الطبي والمساعدة الطبية.

وشكلت معركة مخيم جنين نموذجا يتباهى به الفلسطينيون في الوحدة الميدانية بين فصائل المقاومة والقيادة المشتركة لمواجهة باسلة، مرغت أنف الاحتلال بالتراب، في بقعة صغيرة لا تتجاوز كيلومتر مربع، قاتلت لأحد عشر يوما، لم تتمكن بعدها قوات الاحتلال من دخول المخيم، إلا بعد أن أخذت قرارا بهدمه وتحويله لأنقاض.

عملية نتانيا

في 27 من شهر آذار/مارس من عام 2002، كان الاحتلال الإسرائيلي على موعد مع أكبر عملية فدائية خلال الانتفاضة الثانية، على يد الشهيد عبدالباسط عودة، من مدينة طولكرم، ذي الخمسة والعشرين عاماً حينها.

ففي تلك الليلة، كان 250 مستوطناً إسرائيلياً يحتفلون بعيد الفصح داخل قاعة الطعام الأرضية في فندق"بارك" بمدينة نتانيا المحتلة، قبل أن يتمكن الشهيد عودة، من الدخول إلى القاعة بعدما تنكر بزي امرأة عاملة في الفندق، متجاوزاً حراس الأمن عند المدخل الرئيسي.

وعند الساعة السابعة والنصف تحديداً، فجر عودة العبوة الناسفة التي كان يحملها، ليقتل بفعلها 28 مستوطناً على الفور، ويصاب نحو 140 آخرين، فيما توفي اثنان من الصابين في وقت لاحق.

ومن المفارقة، أن القمة العربية الرابعة عشر كانت منعقدة في ذلك اليوم بالعاصمة اللبنانية بيروت، لكنها أعلنت، في اليوم التالي، 28 آذار/مارس 2002، تبني "مبادرة السلام العربية"، التي أطلقها الملك السعودي الراحل، عبد الله بن عبد العزيز.

عملية "الدرع الواقي"

أحدثت عملية نتانيا زلزالاً لدى قادة الاحتلال، ليطلق على إثرها، رئيس وزراء الاحتلال السابق، أرئيل شارون، عملية "الدرع الواقي" الهادفة إلى "القضاء" على المقاومة الفلسطينية.

بدأت العملية في 29 آذار/مارس 2002 عبر التوغل إلى مدينة رام الله، التي حوصر فيها رئيس السلطة الفلسطينية حينها، ياسر عرفات.

في مطلع شهر نيسان/أبريل، توغل جيش الاحتلال إلى مدن بيت لحم وطولكرم وقلقيلية، وبعدها إلى جنين ونابلس اعتباراً من ليلتي 3و4 نيسان/أبريل، معلناً هذه المناطق "مناطق عسكرية مغلقة"، ومنع العالم الخارجي من الدخول إليها.

كما قطع جيش الاحتلال الماء والكهرباء عن معظم المناطق وفرض حظراً صارماً للتجول على الفلسطينيين المقيمين فيها.

وفي جنين ونابلس تحديداً، ضرب طوق شديد بواسطة الدبابات وناقلات الجند المدرعة والجنود على المناطق التي نفذ فيها جيش الاحتلال عملياته، أي مخيم جنين للاجئين، والبلدة القديمة في نابلس، فيما تعرضت المنازل لهجمات صاروخية مكثفة من قبل طائرات "الأباتشي".

مخيم جنين.. المعركة الأشرس

قبل شروع الاحتلال في اقتحام مخيم جنين، استعدت الفصائل الفلسطينية للمعركة عبر تشكيل غرفة عمليات مشتركة بقيادة الشهيد يوسف ريحان "أبو جندل".

استطاعت الغرفة المشكلة تجهيز 200 مقاتل وصنع العبوات البدائية، والاستعداد برسم خطط عسكرية لصد العدوان.

شرع الاحتلال بمجزرته داخل المخيم عقب تطويق المخيم من محاوره الأربعة، ليبدأ بعدها بقصف أحياء في المخيم، في أكبر حشد عسكري بالضفة الغربية منذ النكسة.
 

 لكن المقاتلين الفلسطينيين، قرروا القتال حتى الاستشهاد، لتستمر المعارك بعدها نحو 15 يوماً.

لم تتمكن قوات الاحتلال من دخول المخيم، إلا بعد أن أخذت قراراً بهدمه وتحويله لأنقاض.

عمل أبو جندل والمقاومين الفلسطينيين على مقاومة الجيش الإسرائيلي، حيثُ تركزت خططهم على الهجوم أكثر من الدفاع، واستمروا بذلك لمدة 10 أيام، حيث نفذت الذخيرة والطعام والماء منهم.

تذكر بعض الروايات أنَه، وبعد نفاذ الذخيرة والماء والطعام التي كان يمتلكها أبو جندل، فإنَ بعض النساء طلبنَ منه خلع زيه العسكري والتنكر بثيابٍ أُخرى، في حاولة للتمويه على جنود الاحتلال، إلا أنه رفض ذلك.

انتهت المعركة بارتقاء ثمانية وخمسين شهيداً، إلى جانب جرح واعتقال المئات، وتدمير 455 منزلاً تدميراً كاملاً، و800 منزلاً بصورة جزئية.

نتائج المعركة

وقد قتل في هذه المعركة بحسب تقرير الأمم المتحدة 58 فلسطينيا ، واعترف الجانب الإسرائيلي بمقتل 23 من جنودة قتل منهم 14 في يوم واحد 12 منهم في كمين للمقاتلين الفلسطينيين الذين يقولون ان العدد أكبر من ذلك بكثير، حيث يصل العدد المتوقع إلى 55 حسب شهود العيان، ومن الذين شهدوا المعركة واكدوا على وقوعها: لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، منظمة العفو الدولية، تيري رود لارسن - منسق الأمم المتحدة في الشرق الأوسط، الوفد البرلماني الحزبي الأوروبي، ووفد (الأدباء والمفكرين العالميين) الذي يمثل (البرلمان العالمي للكتاب). وهو وفد يضم شخصيات ثقافية وأدبية عالمية مثل: الروائي الأمريكي راسل بانكس، ورئيس البرلمان العالمي للكتاب وول سوينكا، الحائز جائزة نوبل للآداب، ورئيس البرلمان السابق البرتغالي خوسيه ساراماغو، الحائز - كذلك - جائزة نوبل للآداب، وبي داوو الصيني وهو أحد مؤسسي برلمان الكتاب، والشاعر والروائي برايتن برايتناخ (جنوب أفريقيا)، وكرستيان سالمون (فرنسا)، وفيشنزو كونولو (إيطاليا)، وخوان غويتسولو (إسبانيا).

أقوال بعض الشهود

ومن ضمن روايات الشهود المحايدين على هذه المعركة، قال خوسيه ساراماغو بعد زيارته للمخيم ابّان المعركة: «كل ما اعتقدت أنني أملكه من معلومات عن الأوضاع في فلسطين قد تحطم، فالمعلومات والصور شيء، والواقع شيء آخر، يجب أن تضع قدمك على الأرض لتعرف حقاً ما الذي جرى هنا.. يجب قرع أجراس العالم بأسره لكي يعلم.. ان ما يحدث هنا جريمة يجب أن تتوقف.. لا توجد أفران غاز هنا، ولكن القتل لا يتم فقط من خلال أفران الغاز. هناك أشياء تم فعلها من الجانب الإسرائيلي تحمل نفس أعمال النازي أوشفيتس. انها أمور لا تغتفر يتعرض لها الشعب الفلسطيني».

 

وقال راسل بانكس رئيس البرلمان العالمي للكتاب : «ان الساعات التي قضيتها في فلسطين حتى الآن حفرت في ذاكرتي مشاهد لن أنساها أبداً.. عندما اجتزنا الحاجز أحسست بأن الباب أغلق خلفي واني في سجن. إن جميع أعضاء الوفد متأكدون أنه سيتم اتهامهم بـ (اللاسامية) خصوصاً في الولايات المتحدة. لكن هذا لا يخيفنا. يجب أن نرفض هذا النوع من (الإرهاب الثقافي) الذي يدعي أن توجيه الانتقادات للجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين هو نوع من معاداة السامية».

 

أما خوان غويتسولو فقد قال: «كيف يفسر حق الدفاع عن النفس بأنه إرهاب، والإرهاب دفاع عن النفس!! إني أستطيع أن أعدد دولاً تمارس الإرهاب، وإسرائيل هي احدى هذه الدول. يجب أن نخرج أنفسنا من الكليشهات، وألا نساوي بين القاتل والضحية، بين القوة المحتلة والشعب الذي يرزح تحت الاحتلال ويقاومه. ونحن ممثلو شعوبنا غير المنتخبين. وعلينا أن ننقل بأمانة ما تشاهده أعيننا، وتحسه قلوبنا».

وعلى لسان تيري رود لارسن منسق الأمم المتحدة في الشرق الأوسط: ان الوضع في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين مذهل ومروع لدرجة لا تصدق، إن الروائح الكريهة المنبعثة من الجثث المتحللة تحوم في أنحاء المخيم، يبدو كما لو أنه (أي المخيم) تعرض لزلزال، شاهدت فلسطينيين يخرجون جثثا من بين حطام المباني المنهارة، منها جثة لصبي في الثانية عشرة من عمره، أنا متأكد بأنه لم تجر عمليات بحث وإنقاذ فعلية.