كتب عدلي صادق: إنقضاض على المقابر

كتب عدلي صادق: إنقضاض على المقابر
الكاتب عدلي صادق

بقلم: عدلي صادق
  ما يزال المحتلون، يثابرون على استعادة عظام رجل، طار بطائرة حرب، مدججة بالقنابل، لكي يقصف بشراً آخرين، بينما هم في ذات الوقت، ينقضون على رُفات أخيارٍ من أمة العرب والمسلمين، لتسويتها بالرمل وخلطها بالباطون!
  القائمون على الأمم المتحضرة، يحفظون لشهداء أعدائها، قبورهم، وفي الحالات الرمزية التي أظهر فيها الرجال الأفذاذ، شجاعة في القتال، يرفعون التماثيل التذكارية لهم في الميادين. ولكن من أين يأتي العنصريون المهووسون بالأساطير، لأنفسهم، بالمروءة والتحضر، مهما تقدموا في الصناعات العسكرية والتقنية؟!
  في مقابر بلادنا، يرقد علماء ومجاهدون تصدوا للغزوات، ورجال ونساء أخيار، ومؤمنون وضحايا مغدورون. وفي المقبرة اليوسفية في زهرة المدائن، يضطجع الكرام منذ الدولة الأيوبية في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي، عندما كان يوسف بن أيوب التكريتي،  المُكنّى صلاح الدين والدنيا، ملء السمع والبصر. فقد نُسبت المقبرة لذلك المُظفّر، الذي كتب المؤرخون الصليبيون عن بسالته واحترمه خصومه، باعتباره رمزاً للشجاعة والتسامح عند المقدرة، وخلدت ذكراه أشعار الإنجليز والفرنسيين والألمان.
  يتجرأ المحتلون على الأموات، في مقبرة الأسباط اليوسفية، عند السور الشمالي الشرقي للمسجد الأقصى. وفي المكان، يعتقد المسيحيون بوجود رفات أول الشمامسة "سانت ستيفن" الذي قال لأحبار اليهود، إنكم قتلتم الأنبياء، فرجموه. ففي مألوف الأمم، يحافظ اللاحقون على علائم السابقين ورموزهم ومقابرهم، مهما كانت معتقداتهم. فالقدس،ل في خصوصيتها الفريدة،  لا ينقلب حجر إلا ويرى الناس، صفحة غابرة تضيء الماضي وتنعكس في الحاضر، وتخيّم على المستقبل، وتنذر باستمرار الصراع. لذا، لا تخفى مقاصد أولئك الذين دفعوا الآليات لتجريف قبور المسلمين في المقبرة اليوسفية. إنهم يريدون محو تاريخ المدينة وقضم شواهدها الصارخة، وهندسة تاريخ آخر مزور، فوق سطح التراب، يمسخ فلسطين التاريخية إلى محض جغرافيا توراتية، ويصادر الشواهد كلها. فلا يعلم هؤلاء، أو لا يتوقعوا، أن باطن الأرض سيظل يقذف الحمم بين الحين والآخر! 
  انفردت الصهيونية، بخلاف كل التيارات السياسية في التاريخ وفي العالم، بتحويل علم الآثار إلى ديانة ودين، وليس مجرّد حفريات في باطن الأرض لاكتشاف حلقات مفقودة في التاريخ الإنساني الغابر. لقد فعل الصهيونيون ذلك منذ بدء احتلال مدينة القدس الشرقية في العام 1967 ولما فشلوا في باطن الأرض، تحولوا الى سطحها. وفي السياقين، أرادوا أن يجعلوا من الآثار، ومن اللُقى الحجرية الغامضة أو الرقيمات والألوح الكنعانية، تراخيص لبناء المستوطنات، وصكوك ملكيات عقارية مكتوبة بمداد آلهة يزعمونها. وثابروا على محاولة التلفيق، وكل غايتهم تخليق المشروعية للغزو الإمبريالي، وليس استكشاف الحلقات الناقصة في تاريخ الإنسان على أرض فلسطين، مثلما يحدث في كل تنقيب عن الآثار، على وجه البسيطة!
  في كل اعتداء على الحقائق التي تجسدها الشواهد الحجرية والأبنية واللقى الآثارية؛  يُستعاد التذكير بخصوصية القدس التي لا تزول ولا تتحول. فهي خصوصية ما تزال حاضرة بقوة، ضمن سياقات محتقنة، من السياسة والدين، وتفتح من جديد، في كل مرة، بوّابات التاريخ على ملفات رمزية وحساسة. إن المقبرة اليوسفية في باب الأسباط، تضم رفات شهداء من الأمة، وليس من الشعب الفلسطيني وحده، وهذا ما يجب أن يستنهض المعنيين في الإقليم. 
  ومثلما يقولون، إن تجريف أجزاء من المقبرة، يفاقم المسعى الصهيوني الى حرب دينية مُضنية وشائنة، بينما يتبرم الجميع، من العنف الإسلاموي، في العالم، عندما يتلطى بالدين!