قرية لفتا الفلسطينية.. “للبيع” في مزاد إسرائيلي

قرية لفتا الفلسطينية.. “للبيع” في مزاد إسرائيلي

فتح ميديا_القدس

على المدخل الغربي لمدينة القدس، يمكن مشاهدة أطلال قرية قديمة مهجرة.. يتخللها أشجار في منطقة تخطف الأنظار.

العشرات من المنازل فيقرية لفتا، التي يقول سكانها الأصليون إنها تعود لآلاف السنين، ما زالت قائمة، ولكنها فارغة من أصحابها الذين يعيش الكثير منهم في مدينة القدس الشرقية.

يقول يعقوب عودة، الذي ولد في القرية عام 1940، لـ”الأناضول” إن السلطات الإسرائيلية تريد الآن شطب القرية باعتبارها شاهدا على نكبة العام 1948.

عبر طرق ترابية تتوسط منازل قديمة مهجورة وأشجار صبر وتين وزيتون.. كان عودة يسير وهو يعدد أسماء العائلات التي كانت تعيش في القرية عام 1948.

كان عودة بعمر 8 سنوات عندما اضطر وأفراد عائلته، ومعهم جميع العائلات الأخرى في البلدة، إلى اللجوء إلى مدن القدس ورام الله وبيت لحم المجاورة.

ومنذ ذلك الحين، لم يتمكن من العودة إلى القرية إلا في عام 1967، بعد “نكسة” يونيو/ حزيران من ذلك العام. ومنذ ذلك الحين، يحافظ على زيارة قرية الآباء والأجداد مرة على الأقل أسبوعيا.

في حديثه عن المنازل في القرية، كانت عودة يشير بيده إلى المنزل الذي ولد فيه والذي دمر بشكل كامل تقريبا، والمنزل الآخر الذي خرج مع عائلته منه في عام 1948.

كانت لفتا واحدة من مئات القرى الفلسطينية التي هُجّر سكانها تحت وطأة ضغط العصابات الصهيونية في العام 1948. وما زالت ذاكرة عودة تختزن بعض الذكريات الأليمة.

يقول: “ذات يوم، سمعنا صوت إطلاق النار بينما كنا في المنزل، وراح أخي الصغير يبكي، فأخذتنا والدتي إلى زاوية داخل المنزل ووضعتنا أسفل طاولة من أجل حمايتنا”.

وأضاف: “في يوم آخر، كنا مجموعة كبيرة في منزل كبير تم استخدامه كملجأ يضم مسنّين وأطفالا، فسمعنا صوت إطلاق النار في الخارج، وقيل حينها إن نيران العدو (الإسرائيلي) كان يستهدف البيوت والمباني في القرية”.

في حينه، كان عدد سكان لفتا نحو 3000 نسمة، وكانوا يسكنون في أكثر من 550 منزلا.

ويشير عودة إلى أن “ما تبقى لأهل لفتا قبل النكبة 12 ألف دونم، تمتد على مناطق واسعة تشمل المنطقة المقام عليها الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي”.

ويضيف: “تم تفجير القسم الأكبر من هذه المنازل لاحقاً، لم يبق من بيوت لفتا القديمة إلا ربعها أو أقل، حوالي 70 منزلا كاملا أو شبه كامل، وهم يريدون إزالة هذه المعالم باعتبارها شاهدا على الجريمة والنكبة”.

في القرية، كان بالإمكان مشاهدة مسجد قائم على مقام سيف الدين الهكاري الذي كان أحد القادة في جيش القائد صلاح الدين الأيوبي.

وإلى جانب المسجد، هناك معصرة قديمة للزيتون. وعلى بعد مسافة قصيرة، ثمة حديقة جميلة مُهمَلة على مقربة من بركة مياه صغيرة.

ما زال عودة يذكر ذلك الزمان الجميل في القرية ما قبل العام 1948، وهو العام ذاته الذي تحول فيه السكان، شأنهم شأن مئات آلاف الفلسطينيين، إلى لاجئين.

يتذكّر عودة تلك الأيام الخوالي، قائلاً: “كنا ملوكا، فكل شيء في قريتنا موجود، أرضنا وحيواناتنا.. كانت الحياة بسيطة وطيبة، وأصبحنا كأي لاجئين في هذا العالم، ولكن من دون أن نخرج من وطننا”.

لجوء السكان من القرية إلى مناطق مجاورة كان قسريا تحت ضغط العصابات الصهيونية.

لجوء السكان من القرية إلى مناطق مجاورة كان قسريا تحت ضغط العصابات الصهيونية

يشير عودة إلى أن لفتا “تعتبر البوابة الغربية لمدينة القدس، وهذا الموقع الاستراتيجي جعل العصابات الصهيونية المسلحة تضعها على رأس قائمة أولوياتها”.

ويوضح أن “الأحداث في لفتا بدأت في العام 1947، فقد تم تنفيذ مجزرة في مقهى القرية، استشهد فيها 6 من رجال القرية، وأصيب أكثر من 7 أشخاص”.

ويضيف: “في ديسمبر/ كانون الأول 1947، أحرقت العصابات الصهيونية بيت المختار محمود صيام. وبعد 3 أيام فجّروا 20 منزلا بهدف إرغام الجميع على الهجرة، وتم إحراق ونهب بيوت حتى لا يعود أحد إليها”.

ويردف: “في حينه، تم تداول أنباء عن مجزرة دير ياسين حيث ذُبح مئات الفلسطينيين، فضلا عن معلومات عن أعمال قتل وذبح واغتصاب في القرى المجاورة، وهذا أثر سلباً على السكان”.

وعلى الرغم من سماح السلطات الإسرائيلية لسكان لفتا بزيارتها، فإنها لا تسمح لهم بترميم بيوتهم، التي يقول عودة إنها باتت الآن مهددة بالمسح عن وجه الأرض.

ويوضح: “تمثل لفتا شاهدا على النكبة لكونها تقف عند مدخل القدس المحتلة. وكل من يصل من منطقة الساحل إلى المدينة.. يشاهد المنازل والطبيعة في محيطها. لذلك فإن الصهاينة لا يريدون بقاء هذا الشاهد، وبالتالي يريدون مسحه”.

وكانت سلطات الاحتلالف الإسرائيلية أعلنت في العام 2004 عن مخطط لبيع أراضي لفتا بالمزاد العلني،بهدف بناء 259 فيلا ، إضافة إلى فندق يضم 120 غرفة ومركز تجاري ومتحف ومراكز خدماتية.

يقول عودة: “اعترضنا على المخطط في اللجنتين اللوائية والمحلية في عام 2010. وبعد سنتين قررت المحكمة المركزية الإسرائيلية أن بيع أراضي لفتا لصالح هذا المخطط باطل ولاغ، وبالتالي تم تجميد المخطط لأن دائرة أراضي إسرائيل التي وضعت المخطط لم تضع مسحا أثريا للمنطقة”.

ويستدرك بالقول: “لكن في العام 2016، عملت السلطة ذاتها مسحا أثريا، وجاءت نتائج المسح إيجابية لصالحنا بأن لفتا أثرية ويجب أن تبقى أثرية، وهذا يقوي موقفنا”.

ويضيف: “على الرغم من هذا الكشف، قالت دائرة أراضي إسرائيل في يونيو/ حزيران الماضي إنها ستعلن في 4 يوليو/ تموز عن مزاد علني لبيع أراضي لفتا. لكننا قدمنا التماسا لدى المحكمة المركزية الإسرائيلية.. ولم يتم نشر المزاد حتى اليوم”.

ويرى عودة أن “من شأن علمية البناء والحفر والتجريف أن تحرّك الأرض وتهزّها، ما يهدد البناء الأثري فوق الأرض وتحتها، سيؤدي ذلك إلى هدم بيوت الآباء والأجداد”.

ويشدد على أن أهالي القرية يقفون “ضد أي مخطط يهدم أو يبني أو يزور أو يطمس هوية لفتا وتاريخها. ونحن مع مخطط واحد، وهو تدعيم وتقوية مباني القرية للحؤول دون هدمها”.

ويردف: “لفتا ليست حجرا، وإنما تراث وتاريخ وذاكرة وناس عاشوا هنا. وهؤلاء هم أصحاب الحق”.

وفي هذا الصدد، يقول الناشط اليساري الإسرائيلي إيلان شتاير إن “طريقة تنظيم هذه الخطة من شأنها تدمير الحيز والتراث الفلسطيني في المنطقة، إذ تهدف إلى إقامة حي يضم مجموعة من الفلل الفاخرة، ما سيعني تدمير المكان وإغلاقه أمام العامة وتقويض ما تبقى في القرية وتاريخها وذاكرة أهلها”.

ويشير إلى أنه “وفقا للقانون الإسرائيلي، فإن حق العودة ممنوح فقط لليهود، فيما لا يمكن للعرب العودة أو المطالبة باسترداد ممتلكاتهم”.

لكن عودة، الذي تجاوز الثمانين من عمره، ما زال يحلم بالعودة إلى قريته. ويقول: “على الرغم من أن سلطات الاحتلال اعتقلتني، فإنها لم تستطع منعي من الحلم، وهو ليس أضغاث أحلام، وإنما هو ذاكرة وتاريخ ووجود”.

ويضيف: “الحياة المأساوية شكلت تاريخي، وإذا لم أعد أنا.. فسيعود أبنائي حتماً”.