«فتح» أمام استحقاق استعادة فكرتها الأولى

لا تترك الفصائل مناسبات انطلاقاتها، إلا وتقوم بما امكن من نشاطات احتفالية ونضالية، حتى اصبح عدد الاحتفالات يتجاوز عدد أشهر السنة، بقدر عدد الفصائل والجماعات، التي يعتز كل منها بتاريخ ولادته. هي سنة، اعتمدتها الفصائل كلها، لتأكيد وجودها والتزامها بالأهداف الوطنية، وتأكيد الوفاء للشهداء والأسرى والجرحى، وأيضاً لتعميق التزام أعضائها بالفصيل الذي اختاروه. إذا كانت هذه سنة، فصائلية بامتياز، فإن انطلاقة حركة فتح، هي فوق طبيعتها الفصائلية فإنها تكرست كسنة وطنية عامة، تستحق ان يتم في يومها تعطيل الحياة العامة وإقامة أوسع مظاهر الاحتفال.
الاحتفال بانطلاقة حركة فتح، هو احتفال بانطلاق مرحلة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني، عنوانها، هوية وطنية كفاحية، وأن الشعب الفلسطيني بدأ ممارسة دوره الطليعي التاريخي في مقدمة صفوف الأمة العربية، وعنوانها أيضا انطلاقة الثورة الوطنية الفلسطينية المعروفة بالثورة المسلحة.
انطلاقة حركة فتح قبل خمسة وخمسين عاماً، كانت انطلاق مشروع وطني تحرري يتسم بالوعي العميق بطبيعة الصراع، وأشكال مواجهة الاحتلال الاستعماري الاستيطاني، وبأهمية الوحدة الوطنية ووحدة الشعب. «فتح» رائدة تجربة الجبهة الوطنية المتحدة على الطريقة الفلسطينية، التي استطاعت ان تجمع كل الأطياف السياسية والأيديولوجية والتنظيمية، والتي استفادت من التنوع الواسع لاتجاهات العمل الوطني بما في ذلك تلك التي تشكل امتداداً لقيادات أو استثمارات عربية متناقضة ومتناحرة في بعض الأحيان.
لم يكن هذا التنوع في الإطار الوطني، والتعامل مع الآخر المختلف ميزة غريبة عن حركة فتح، وهي الحركة التي عكست في تركيبتها التنوع الواسع في المجتمع الفلسطيني بكل تركيباته وأماكن وجوده. حركة فتح، استوعبت في داخلها، اليساري واليميني، الغني والفقير، والملتزمين بأيديولوجيات مختلفة حتى النخاع، وأيضا المتطرفين سياسياً والمعتدلين، واستفادت من هذا الخليط.
حين يراجع المرء، تاريخ الحركة وما واجهته من أزمات كبرى ومواجهات صعبة، يستغرب نهوض الحركة من جديد، ويستغرب بشأن طبيعة الروابط، التي تمكنها من استعادة وحدتها.
لا شك في ان ثمة أهمية لدور القائد والقيادة المؤسسة، لكن التغيرات التي طرأت على بنية، وشخوص قيادات حركة فتح، وتعرض أغلبية أعضاء اللجنة المركزية للتغييب سواء من خلال الاغتيالات او لأسباب المرض، أو الشيخوخة، هذه التغيرات مع بقاء الحركة على رأس الحركة الوطنية، تجعلنا نؤكد على صوابية الفكرة التي وقفت خلف التأسيس.
بعد الانقلاب الذي وقع، وأطاح بمؤسسات السلطة التي تقودها حركة فتح، توقع البعض، ان يؤدي ذلك الى تفكيك حركة فتح، خصوصاً في قطاع غزة، غير ان من يقف بموضوعية على مشاهد الحشد الشعبي الذي حضر فعاليتي الحركة يومي الثلاثاء والأربعاء، يتأكد من أن الحركة لا تزال موجودة بقوة، وان المراهنة على تبددها مجرد هراء، وخطأ في الحسابات.
الرسالة التي صدرت عن احتفالات حركة فتح لمناسبة انطلاقتها، الخامسة والخمسين، خصوصا من غزة، تتجاوز حدود الحسابات الداخلية، الى ما هو أبعد وأوسع، مخطئ من يعتقد ان حركة فتح مجرد وعاء ارتزاقي، ينتهي بانتهاء مصلحة الأعضاء، فلقد تلقى هؤلاء ضربات موجعة تؤثر على حيواتهم، بسبب سياسة تقليص وقطع الرواتب، التي اعتمدتها السلطة بحق موظفيها في غزة.
لا شك ان حركة فتح بطبيعة الفكرة التي قامت عليها من الأساس واستمرت تملك قدراً عالياً من المرونة، التي تجعلها تقوم باستدارات تاريخية حين تتطلب الأحداث ذلك.
«فتح» لا تزال تقود مرحلة أوسلو، بكل ما عليها من مصائب وخطايا وما جرته على الشعب الفلسطيني من ويلات، ما يضعها في موقع الانتقاد بالنسبة لكثيرين يرون ان استمرار دورها مرتبط بالتحول العاجل نحو استراتيجية وطنية مختلفة.
لا شك في ان ثمة ضرورة للمراجعة النقدية الجريئة لتاريخ الحركة وتاريخ الثورة، وتاريخ منظمة التحرير، مراجعة تبدأ من حركة فتح، وتمتد على اتساع الحالة الوطنية بأسرها، اقلها في هذه المرحلة، للوصول الى فهم مشترك وعميق ومبني على الثقة، إزاء متطلبات هذه المرحلة، والمدى الذي ستستغرقه، قبل الانتقال الى مرحلة أخرى باستراتيجية أخرى.
غير انني اعتقد ان التسرع في الانتقال لمثل هذه الاستراتيجية من شأنه أن يترك ثغرات كبيرة في جدران العمل السياسي خصوصاً على المستويات العربية والإقليمية والدولية، بالتأكيد يدفع الفلسطينيون ثمنا كبيرا بسبب استمرار مرحلة أوسلو، ولكن علينا ان نتأكد بأن السياسة الاسرائيلية الأميركية، ستكون المسؤولة وحدها عن الانتقال بالصراع الى بداياته المفتوحة والشاملة، وإعادته الى جذوره بما انه صراع وجود وليس صراع حدود.
مرحلة الانتقال هذه، تنتظر من حركة فتح، إعادة تنظيم صفوفها، وتوحيد كل قواها، وتياراتها، وإصلاح أوضاعها، ان كانت ثمة حاجة وثمة ضرورة حقيقية، لإعادة بناء كل المؤسسات الوطنية، على أساس الشراكة والتوافق.
«فتح» بعد خمسة وخمسين عاماً على انطلاقتها تواجه في الأوضاع الداخلية منافسة قوية من قبل حركة حماس، منافسة على الدور والقيادة والقدرة، وهي منافسة غير مسبوقة بهذا الشكل سنوات ما قبل أوسلو، في هذه المنافسة يترتب على حركة فتح، ان تخوض هذا التنافس، ليس فقط بقدراتها الذاتية، وإنما بإعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها مع بيئتها الطبيعية، ونقصد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي لم تغادر رؤيتها، والتزامها بهذه المنظمة كإطار وهوية ودور، والتي تدرك أيضاً، وتعترف بأن صلاح أوضاعها وأوضاع الحركة الوطنية الفلسطينية هو من صلاح حركة فتح.