سميرة دحلان تتحدث عن البرنامج السياسي لياسر عرفات ودوره في الوحدة الوطنية

سميرة دحلان تتحدث عن البرنامج السياسي لياسر عرفات ودوره في الوحدة الوطنية

فتح ميديا – غزة:

قالت سميرة دحلان  أمين سر مجلس المرأة ساحة غزة :"لقد كان ياسر عرفات الفصل الأطول في حياتنا، ومهما تحدثنا عنه لا نوفيه حقه علينا، وكان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة وإلى الدولة التي أعلنت في الجزائر الشقيق في الخامس عشر من نوفمبر للعام 1988، والذي كان له دور بارز في احتضان الثورة الفلسطينية فكانت الجزائر الحضن الدافئ للثورة قيادة وشعبا".

وأضافت في حوار خاص لـ "فتح ميديا":"لم تكن حياة الراحل الرمز ياسر عرفات إلا تاريخا متواصلا من النضال والمعارك التي خاضها وأسس من خلالها تاريخاً جديداً لفلسطين، بحيث غدت القضية الفلسطينية رمزاً عالمياً للعدالة والنضال، وجعل من كوفيته رمزاً يرتديه كافة أحرار العالم ومناصري قضايا السلم والعدالة العالميين.

وتابعت دحلان:"إن شخصية الياسر الكاريزمية القيادية وشجاعته الهائلة وطباعه الودودة الرقيقة جعلته مقرباً إلى قلوب الجميع على مستوى العالم، وجعلت منه نموذجاً يجمع بين الإنسان والسياسي والزعيم والوطني المغوار".

نص الحوار كاملاً:

  • دور ياسر عرفات في الوحدة الوطنية الفلسطينية:

يتضح الاتجاه الوحدوي الوطني في فكر الشهيد ياسر عرفات، في مئات المواقف والأقوال، ومنها قوله :"أثبتت الوحدة الوطنية، على الدوام، أنها أقوى سلاح بيد شعبنا لمواجهة مخططات العدوان والاحتلال الإسرائيلي. ومن هنا صار لزاماً علينا اليوم، أن نعمل على تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية، وتوسيع إطارها ليشمل كافة القوى الفلسطينية في الوطن، وفي الشتات".

 وقوله : "إن بقاء أية قوة خارج المنظمة، إنما يشتت الجهد، ويعطي الذريعة لكل من في نفسه مرض؛ ليتذرع بعدم وجود الوحدة، للتنصل من الاستحقاقات الوطنية الفلسطينية".

وقوله : "لا اعتراض على أية قوة فلسطينية ترغب في الانضمام إلى منظمة التحرير، ولا نضع فيتو على أحد".

وقوله : "لا نقبل بالتشرذم، والاجتهادات الخاصة، والممارسات الخاطئة التي لا تخدم قضيتنا" . ومن هنا أوجه الدعوة لكل القوى للدخول في منظمة التحرير الفلسطينية".

ويتضح من هذه الأقوال أن ياسر عرفات كان مسكوناً بالوحدة الوطنية، ومؤمناً بها حتى النخاع، ويرى فيها طوق النجاة الوحيد للمشروع الوطني برمته .

  • البرنامج السياسي لياسر عرفات وكيف ساهم في الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية؟

قد قيل لنا دومًا في وصف أبو عمار من معارضيه ( إنّنا نختلف معه ولا نختلف عليه) ومع ذلك فلقد أُتهم أبو عمار دومًا من قبل معارضيه بأنه ديكتاتور يتحكّم بالقرار الوطني الفلسطيني ولقد اتُّهَم ياسر عرفات دومًا ومن قبل معارضيه (وكذلك من بعض مؤيّديه) بأنه يعطّل العملية الديمقراطية في منظمة التحرير الفلسطينية أو في أطر حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وكل متابع للشأن الفلسطيني وكل من عاش تلك الفترات يعلم بأنَّ ما تعرَّض له أبو عمار من تهجُّم وإتهام وتشويه يفوق قدرة التحمل الإنساني، ولكنَّ مع كل ذلك لم يثنِهِ هذا التهجم عن منح المعارضة لحقهم بالتعبير عن معارضتهم، وكل ذلك لم يجعله يحاول إقصاء أي فصيل، وكل ذلك لم يجعله يحاول ولو للحظة أن يكون في موقعه بالتعيين، فلقد سعى لأن يكون في كل مناصبه منتخَبًا ديمقراطيًّا.

لقد قاد ياسر عرفات فلسطين بمؤيديه ومعارضيه بمنطق سمّاه هو (ديمقراطية غابة البنادق) فكان يمنح الحق للجميع بقول ما يريدون ويمنع الجميع من الانحراف عن المسير وإن أضطر لعزلهم وكان يمنح الجميع حق الكلمة بعيداً عن الفعل العنيف القائم على الإقصاء وكان يحترم معارضيه كما يحب مؤيديه .

والجميل بالأمر بأن ديمقراطية ياسر عرفات كانت تقتضي الانتخاب ديمقراطيًّا وبحرية تامة وهذا ما كان يحصل في مؤتمرات حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" عند انتخابه، وهذا ما كان يحصل في المجلس الوطني الفلسطيني عند انتخابه كذلك، وهذا ما كان في انتخابات السلطة الوطنية الفلسطينية عندما أصر ياسر عرفات على أن يترشّح رئيسًا للسلطة حتى لا يأتي من بعده من يكون رئيسًا للسلطة بالتعيين.

لم يحكمنا ياسر عرفات بالقوة وإن أحببنا قوته، ولم يحكمنا ياسر عرفات باللين وإن أحببنا لينه وعطفه وأبوته لنا.

لم يحكمنا ياسر عرفات بالديمقراطية كما لم يحكمنا ياسر عرفات بالديكتاتورية، ولكنَّه أبتكر (ديمقراطية فلسطينية) تناسبنا هي (ديمقراطية غابة البنادق) فصَّلها لنا بالانتخابات وفصَّلها لنا بالمؤتمرات.

حتى ديمقراطية ياسر عرفات كانت فلسطينية.

يتضح أن رؤيته السياسية الوطنية تقوم على المرتكزات التالية :

1-      وحدة الهدف، متمثلا في حق العودة، وحق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الأرض الفلسطينية، بعد طرد الاحتلال وكنس المستوطنات واستعادة السيادة الوطنية.

2-      وحدة المشروع الوطني، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها رمز الوحدة الوطنية الفلسطينية والتجسيد الوطني للوحدة الوطنية على أرض الواقع، والحاضنة التاريخية للمشروع الوطني، والمعترف بها عربيا ودوليا، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات .

3-      الانتماء للوطن بغض النظر على المنطلقات الفكرية لأي فصيل، وعدم الارتهان لبعض القوى والدول العربية أو الأجنبية التي تتاجر بالقضية الفلسطينية من أجل مصالحها الخاصة.

 ومن هنا حرص ياسر عرفات على ترجمه هذا الانتماء في القانون الأساسي للسلطة الفلسطينية، حيث نص هذا القانون على أن "الفلسطينيين أمام القانون والقضاء سواء. لا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو الدين أو الرأي السياسي أو الإعاقة".

 كما نص على أن "نظام الحكم في فلسطين نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية". ويدل هذا المبدأ على جملة منطلقات فرعية، منها

  • ضرورة وحتمية وأهمية استقلال القرار السياسي الفلسطيني، عن جميع العواصم العربية والإسلامية، سواء كانت القاهرة أو دمشق أو عمان أو بيروت أو تونس أو صنعاء أو الخرطوم أو طهران أو اسطنبول.
  • ضرورة اعتماد مبدأ الحوار الوطني؛ لفض أية خلافات أو نزاعات قد تنشب بين بعض الفصائل الفلسطينية .
  • ضرورة المشاركة السياسية على أساس ديمقراطي سليم يقوم على الاحتكام الأبدي لصناديق الاقتراع .
  • عدم السماح لأي فصيل فلسطيني للقيام بارتهان الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني أو مصادرة حقه أو حق أي جزء منه في التعبير عن رأيه، وفي اختيار من يمثله في إطار التداول السلمي المنتظم للسلطة .
  • الحفاظ على الثوابت الوطنية، وعلى رأسها حق العودة، وحق تقرير المصير، واستعادة القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين، حيث كان يردد دائما: "ليس منا، وليس منا، وليي بيننا، من يفرط في جرة واحدة من تراب القدس الشريف".
  • طهارة البندقية الفلسطينية، وحرمة الدم الفلسطيني، وتحريم الاقتتال. وقد كان هو ذاته صمام أمان لطهارة هذه البندقية، والحارس الدائم لوحدة الصف ونزع فتيل أي توتر قد ينشب بين الفصائل الفلسطينية .
  • الرفض المطلق لتجزئة المشروع الوطني، أو تجزئة التمثيل الفلسطيني أو التشكيك في شرعيته. ومن هنا كان اهتمامه بجميع الفصائل يوازي اهتمامه بحركة فتح، كما كان حرصة الشديد على التعاون مع حركات المقاومة الإسلامية؛ لتنسيق المواقف وتحقيق شراكة الدم وشراكة القرار السياسي، رغم علمه ووعيه العميق أن بعض هذه الحركات مرتهن للخارج، ويتصرف بقرار التنظيم الدولي الذي ينتمي إليه، ويرفض الاعتراف بشرعية منظمة التحرير .وقد كان يردد دائما: "نحن ثورة عملاقة، والثورة التي تخاف أن تنشق لها أن تعيش !.
  • أبرز المواقف الوحدوية لدى القائد الرمز ياسر عرفات:

1-      اعتماد برنامج النقاط العشر لسنة 1974م، والمقدم من بعض فصائل اليسار الفلسطيني، باعتباره برنامجا وطنيا لمنظمة التحرير .

2-      اعتماد وثيقة الثوابت الوطنية الفلسطينية المنبثقة عن دورة المجلس الوطني المنعقد في الجزائر عام 1988م .

3-      تأسيس القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة والتنسيق التام بين الداخل والخارج في إدارتها.

4-      دعوة الحركات الإسلامية، منذ نشأتها، للانضمام للمجلس الوطني الفلسطيني، ولمنظمة التحرير الفلسطينية؛ لرص الصفوف وتعزيز القدرات الفلسطينية في مواجهة الاحتلال

5-      دعوة الحركات الإسلامية وسائر فصائل منظمة التحرير، للمشاركة في بناء الكيان السياسي للسلطة الوطنية الفلسطينية

6-      الرفض رفضاً مطلقاً تصفية أي حركة من حركات المقاومة، بناء على المطالب الإسرائيلية والأمريكية، والحرص على دعوتها للتنسيق والعمل العقلاني في إطار المشروع الوطني، وليس من خلال العمل على تخريبه بالسلوكيات الفردية وغير الملتزمة بالقرار الفلسطيني الموحد .

وقد نجح ياسر عرفات من خلال رؤيته الوطنية الوحدوية في تحقيق مكتسبات سياسية كبرى، من بينها:

1-      انتزاع اعتراف جامعة الدول العربية بوحدة الكيان السياسي الفلسطيني متمثلاً في منظمة التحرير الفلسطينية، وأحادية تمثيلها للشعب الفلسطيني .

2-      انتزاع الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، منذ عام 1974 .

3-      انتزاع اعتراف أمريكي -إسرائيلي بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية .

4-      انتزاع اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية عند إعلان قيامها سنة 1988، حيث اعترف بها 137 دولة من دول العالم .

5-      تحقيق حلم العودة إلى أرض الوطن لمئات آلاف الفلسطينيين، واتخاذ الضفة الغربية وقطاع غزة قاعدة لانطلاق النضال من أرض الوطن، وبديلاً علن جميع العواصم الأخرى .

6-      التصدي لكل المخططات الصهيونية و الأمريكية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية أو مصادرة حق الفلسطينيين في العودة وحق تقرير المصير .

الضغوط التي تعرض لها من أجل التنازل عن القدس وكيفية صموده في وجه الغطرسة الامريكية والاسرائيلية.

إن معركة إسرائيل ضد عرفات بدأت بالتهرب من استحقاقات عملية التسوية وبخلق الوقائع الاستيطانية التي تؤبّد الاحتلال، مرورا بحبك فخّ مفاوضات كامب ديفيد واتهامه بإفشالها، تمهيدا للإعلان فيما بعد بأنه لم يعد ذي صلة وأنه لم يعد شريكا بالسلام، واتهامه بولوج طريق العنف ووصمه بالإرهاب، وصولا إلى المطالبة بعزله أو تقييده، بدعوى إصلاح الحال الفلسطينية!

وحينها هددته الإدارة الأمريكية بالإزاحة عن هرم السلطة، قال كلمته الشهيرة :" أدعوكم للسير في جنازتي صباح الغد" وهو الذي ظل يردد دائماً " يريدوني إما أسيراً وإما طريداً وإما قتيلاً .. وأنا أقول لهم: شهيداً ..شهيداً. شهيداً .

فقد أطلق العنان لقوات الأجهزة الأمنية في التصدي للاجتياحات العسكرية الاسرائيلية لأراضي السلطة الفلسطينية وأقر حينها بشكل أو بآخر العودة للنضال الوطني انطلاقاً من أرض الوطن، حيث شاركت قوات الأمن الوطني وسائر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في عمليات المقاومة وقدمت على مدار انتفاضة الأقصى أكثر من 1600 شهيد، ارتقوا جميعاً إلى الله بالزي الوطني الفلسطيني .

هذا هو ياسر عرفات الذي آمن بعدالة القضية الفلسطينية، وبنصرها الأكيد، كما لم يؤمن بها أحد . وهو الأمر الذي دفعه، عند سؤاله، لحظة الخروج من بيروت سنة 1982 : إلى أين أنت ذاهب يا أبا عمار ؟ إلى القول :"إلى فلسطين"، كما دفعه لأن يردد : "معا وسويا حتى القدس .حتى القدس. حتى القدس". كما دفعه إلى أن يرى في نهاية النفق المظلم "أن شبلا من أشبالنا أو زهرة من زهراتنا سيرفع علم فلسطين فوق أسوار القدس ومآذن القدس وكنائس القدس".

عموما فقد فاجأ ياسر عرفات معارضيه، وربما أنه "خيّب" توقعاتهم منه، أو بالأحرى فإنه كشف ضحالة تفكيرهم وتجربتهم في السياسة، فهو، مثلاً، لم يفرط بالوحدة الوطنية، إلى حد الذهاب للاقتتال الداخلي لفرض أجندته السياسية؛ ولم يتخلّ عن مشروعية خيار المقاومة المسلحة؛ كما لم يذهب إلى حد التفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني مقابل دولة أو سلطة، على ما ادّعى هؤلاء، بل إنه مارس على العكس من كل ذلك، حتى أنه دفع ثمنا باهظاً ثمن كل هذه الخيارات، فيما بعض المعارضة بقي في مواقع المتفرجين أو المشكّكين!