ديمونا عملية نوعية زلزلت كيان دولة الاحتلال

ديمونا عملية نوعية زلزلت كيان دولة الاحتلال

 ثلاثة مفقودين ذهبوا لينفذوا عملية فكان مصيرهم مجهول حتى اللحظة، فلم يعرف عنهم هل ضموا لسجلات الشهداء أم قابعين خلف قضبان يقضون محكوميات عالية، منفذي عملية "ديمونا" والتي كانت في السابع من مارس لعام 1988م ، نفذها أبناء مدينة رفح على الرغم من أنهم قضوا سنين عمرهم على أراضي شقيقتها مصر ، ولكن يبقى الحنين للوطن وأمنية زيارته هاجس يسيطر عليهم .

ذويهم يروون تفاصيل لم تدثرها اثنان وثلاثون عاماً لنقف على تفاصيل هذه العملية، ولنحيي ذكرى أسماء لم يعرف مصيرها أأصبح أصحابها جثث في مقابر الأرقام ، أم لوحت شمس سجن النقب ملامحهم.

أحد أقارب الشهيد محمد عيسى " أبو الزلف" يروي تفاصيل رحيله فيقول:" لقد كان محمد عيسى، أحد الذين اختارهم القدر لينفذوا عملية نوعية خطط لها الشهيد / خليل الوزير " أبو جهاد " وأشرف عليها القائد / محمد دحلان، ودربهم للتنفيذ الشهيد القائد / مجدي الخطيب  ، وبالفعل بدأت القيادة بوضع أبجديات الخطة التي بناء عليها سيتم مهاجمة الموقع الإسرائيلي وحُدد الموقع الذي ستكون منه نقطة الانطلاق بعد أن أتم الشبان تدريبهم في سيناء ".

حسب مذكرات نشرت للشهيد خليل الوزير توضح أنه دام التخطيط لهذه العملية ما يقارب عامين وعندما حانت ساعة الصفر انطلق محمد ورفيقاه إلى الحدود المصرية الفلسطينية ليعبروا من خلالها إلى أراضي النقب والتي كانت عبارة عن مساحات واسعة من الكثبان الرملية .

ويكمل التفاصيل قائلاً :" خرج الشبان الثلاثة في ساعة تتوافق مع عددهم ليصلوا في تمام الساعة السابعة صباحاً إلى تلك المناطق الرملية التي تكاد تخلو من الجنود والحراس ليقلهم البدوي " حمد " من تلك المنطقة الحدودية لأقرب نقطة من المفاعل النووي والذي يدعى ديمونا " .

خطة مدروسة

وفي خطة دُرست مسبقاً ألقى أحد الشبان نفسه في وسط الشارع ليعترض طريق " جيب " عسكري ، وكما كان مخطط وصل الجيب العسكري الذي يقل ثلاث جنود وضابط ، الذين توقفوا ليستكشفوا حقيقة الشاب الملقى في وسط الطريق ، ومجرد أن نزل من كان فيه أُطلق النار عليهم فأردوهم قتلى واستولوا على الجيب لتدخل الخطة فصل جديد .

ويتناول خيط الحديث من أحمد محمد كلاب شقيق الشهيد عبد الله ليكمل تفاصيل تلك العملية ويتشاركون الألم والأمل سوياً ، فيقول :" بعد أن تابعوا طريقهم وصولاً لأقرب نقطة للمفاعل ألقت الصدفة في طريقهم حافلة تقل علماء نوويين وأخصائيين ذرة إلى المفاعل، الأمر الذي دفع الشبان الثلاثة لاستيقافها وفرض السيطرة عليها ".

وحسب تفاصيل العملية التي رواها ذوي المنفذين ، لم يخف كثيراً على قوات الاحتلال الإسرائيلي وحرس الحدود تسلل الشبان الثلاثة ،فسرعان ما اكتشفوا جثث الضباط ، ليبدأ البحث المكثف بالطيران والجيبات العسكرية عن " المخربين " الذين نفذوا عملية استهداف الجيب ، ليفاجؤوا بالحافلة التي تقل العلماء تسير بطريقة مريبة وليس على عادتها الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي إطلاق النار على إطارات الحافلة لتتوقف تماماً على بعد مسافة 7 كيلو متر من مفاعل ديمونا .

تعتيم ..!!

وعاد محمد ليروي لنا التفاصيل الأخيرة قبل اختفاء الثلاثة حتى اللحظة :" بعدما تعطلت الحافلة قام عبد الله بتولي مهمة التعريف عن أنفسهم بأنهم شبان من حركة فتح هدفهم مبادلة الرهائن في الحافلة لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في سجون النقب ، وبدأت الخديعة الإسرائيلية حيث وافق الاحتلال على هذه المطالب لكن ما كانت هذه الحيلة إلا مجرد كسب مزيد من الوقت لاستدراج عبد الله ورفيقاه ريثما تصل فرقة القناصة ".

وتابع :" انكشفت الحيلة أمام الشبان لذلك قلبوا السحر على الساحر فقتلوا أحد العلماء وهددوا الجيش الإسرائيلي باستمرار قتل العلماء إذا لم يتم الاستجابة لطلبهم ، إلا أن القناصة لم تترك المجال أمامهم طويلاً حيث أمطرتهم بوابل من الرصاص ليعلن بعدها وحسب الإعلام الإسرائيلي أنه تم القضاء على ثلاثة مخربين تسللوا لمنطقة المفاعل النووي مقابل مقتل كل من فيكتور رام مهندس متخصص في أشعة الليزر ، وبرينا شراتسكي سكرتيرة فنية في مركز بحوث الذرة بديمونا ، ومريم بن يئير والتي تعد من أول العاملين في المفاعل، ومن ثم تبعها تعتيم إعلامي كامل ".

محمد وعائلته يأملون أن يكون فقيدهم ما زال على قيد الحياة حيث أوضح محمد أن هناك صحيفة خليجية قد نشرت على صفحاتها بعد يومين من تنفيذ العملية صورة من قلب الحدث توضح أن عبد الله مازال على قيد الحياة ويقوم جيش الاحتلال بتقديم الإسعافات الأولية ، فيما يظهر محمد الحنفي ومحمد عيسى قد فارقا الحياة وجسديهما أصبحت أقرب لـ " مصفاة " إثر رصاص القناصة الإسرائيلية .

وفي سياق آخر أشار محمد أن شقيقه عبد الله لم يكن ضمن المدرجين على قائمة تنفيذ هذه العملية إلا أنه عندما اقتربت ساعة التنفيذ طرأ تغيير سريع على الخطة مما تطلب حضوره ليكون أحد المنفذين لها.

أفتقده ..!!

والدة الشهيد محمد الحنفي استذكرت تلك الفصول التي وُضعت ليبقى الفصل الأخير في رواية الابن المفقود مفتوحاً حتى اليوم ، فتقول :" رحل ابني ولم يتجاوز الثامنة عشر من عمره كنت آمل أن يكمل تعليمه ليكون طبيباً كما كنت أرسم في ذهني فأنا من ربيته هو وأشقائه بعد رحيل والدهم لذلك كانت مسؤوليتي مضاعفة ".

وتتابع :" بحكم عيشنا في مصر تعرف على القيادات التي كانت تزور المنطقة من وقت لآخر الأمر الذي رسخ لمحمد فكرة لم يطلعني على تفاصيلها ، ليأتي تعليمه المدرسي الذي تحدث عن اغتصاب الأرض والمقدسات مكملاً لهذه الفكرة ، التي لم أعرفها إلا بعدما طالعت شاشات التلفاز التي عرضت نبأ تنفيذهم للعملية ، فخرج ليلة دون أن يعود لمنزلنا ،وها أنا اليوم رغم يقيني من رحيله إلا أنني مازالت أنتظر أن يدفع باب البيت ويعود مرة أخرى لأحضاني كما كانت عادته كلما خرج من المنزل ".

وبحنجرة اهتزت أحبالها الصوتية ورافقتها دموعاً تصور مرارة ذكرى لم تفارق مخيلتها يوماً " أنا لا أستكثر ابني فداء للدين أولاً و للوطن ثانياً ولكن يبقى قلب الأم ضعيفاً أمام فقدان فلذات أكبادها فكم كنت أحلم بأن يحل مكان أبيه ويخفف المسؤولية عني إلا أن رحيله زادني شقاء وحزن، فكلما تحين الذكرى السنوية لرحيله أراه أمامي باسماً بملامحه الأقرب للطفولية ".