انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني

بقلم: عدلي صادق لبرنامج "همزة وصل"

بعد أن طال أمد العوار والتجويف المؤسساتي الخطير، الذي أوقعه عباس في الكيان الفلسطيني؛ لم تعد هناك زيادة لمستزيد، من الصبر والقدرة على الاحتمال. فقد أصبح الأمر مثيراً لسخرية العالم بأسره، في لحظة بات الفلسطينيون فيها أحوج من أي وقت مضى، إلى توحيد عنوانهم السياسي، ورفده بالحيثيات الدستورية والقانونية، وإنهاء مهزلة اختزال العنوان الرسمي، في شخص عباس الذي كلما نطق؛ أحرج مواليه قبل إحراج معارضيه!

من أية نقطة، تبدأ عملية استعادة النِصاب؛ سوف تتحقق الفائدة. فإن بدأت من قرى البلديات والمدن، وصعدت إلى التشريعي المفترض أن يكون، لسلطة الحكم الذاتي المحدود للغاية، ثم وصلت الى برلمان منظمة التحرير الجامعة، وهي المرجعية السياسية، يكون الأمر في الاتجاه الصحيح. وإن بدأت عكساً، بانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، تكون الأمور أيضاً في الاتجاه الصحيح الذي يجعل عملية استعادة حيثيات النظام السياسي الفلسطيني، أسرع وأفعل. 

حال التَشوّه الذي عليه الآن، هذا النظام، لا يسر سوى الاحتلال وحفنة الانتهازيين الذين يحاولون تجميل الوضع، بإضفاء هالات من العبقرية والذكاء والحنكة والجدارة العالية، على رجل تسعيني، تتوافر بصوته وصورته مئات الأشرطة التي تجرح الحقائق وتسخر من الكبرياء الوطني وتسد آفاق الأمل. فلا حاجة للمزيد من البراهين، على هذه الظاهرة العفنة، التي لا تتقبلها ذائقة الإنسان المتخلف، فما بالنا بالإنسان السَويْ. لذا إن بقاء الحال على ما هي عليه، يُعد جريمة وإساءة متعمدة للنضال الوطني الفلسطيني، وللمجتمع، ولأسر الشهداء، ولكبرياء ووطنية الشباب الذين بذلوا ويبذلون دماءهم من أجل حرية شعبهم.

كذلك فإن حكومات الأمر الواقع، التي لا تكترث للشعب ومصالحه، ولا تتكلف حتى إصدار بيان ببرنامج عمل مُلزم؛ باتت عورة فادحة، لا يستحق شعب فلسطين أوزارها ولا تليق بتاريخه ولا بوعيه النوعي المتقدم، في مراحل الثقافة والإحاطة بكل جوانب قضيته!

فلسطينيو الخارج والداخل، أصحاب حق غير قابل للتصرف، في اختيار ممثليهم في كل الأطر. فبهذا وحده يمتلك أي شعب حاضره وإرادته ويشق طريقه إلى مستقبله.

التشخيص الصحيح للوضع المزري الذي بتنا عليه منذ سنوات، وأصابت تداعياته المؤلمة كل جوانب حياتنا؛ يُملي علينا البدء من المجلس الوطني الفلسطيني، لأسباب عديدة، من بينها ضرورة الدخول إلى مرحلة جديدة، بكُل ثقل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، استئناساً بوحدة وجدانه الوطني. ومن بينها أيضاً، أن آمال الاستقلال الوطني في الأراضي المحتلة والمحاصرة، انهارت تماماً، إذ لم تعد أراض تحكمها سلطة مركزية. فمن يتحكم في أوضاعها هو ضابط احتلالي يسمونه "المنسق". معنى ذلك أن التشخيص السياسي الدقيق لأوضاع العنصر الأول أو الشرط الأول ـ من ثلاثة أساسية ـ لقيام الكيانات، وهو المساحة الجغرافية التي يكون فيها الشعب سيداً على أرضه؛ غير موجود، بل إن الشرط الثاني وهو وجود الحكومة المركزية، غير متوافر أيضاً، أما الشرط الثالث وهو وحدة الشعب على المستوى المؤسسي، فهو لا يزال غائباً ولا يحضر من خلال مجلس وطني شكلي، مفتوحة عضويته للتعيين، بل إلى نمط من التعيين يحتكر القرار فيه شخص لا يرى له دوراً، أهم وأوجب، من إحباط تمثيل الفلسطينيين لأنفسهم!

التوجه إلى انتخابات للمجلس الوطني، تُعيدنا إلى أيام تأسيس المنظمة، والى مكان التأسيس وهو القاهرة عاصمة الكنانة، بل يعيدنا هذا التوجه إلى اللغة الأولى، التي سُمعت في اليوم الأول من انعقاد القمة العرببة النظامية الأولى، في الثالث عشر من يناير 1964. ففي تلك اللغة، استخدم الأشقاء تعبير "إبراز الكيان الفلسطيني" وهذه جملة أوصلنا عباس إلى مرحلة الإحساس براهنيتها، بعد خمسة وسبعين عاماً من إطلاقها، وقد تخللتها شلالات دم ونضالات باسلة  وعمليات بناء سياسي وكياني قبل السلطة، وانتهت برجل يترك كل أوجاعنا وأوجاع الأمهات، ولا يتحرج من إظهار التأسي عبر شاشات التلفزة، لكون الأسير السابق شاليط كان محروماً من عائلته، كأنما يريد القول إن إطلاق أي أسير من المحتلين، فوراً وبدون مقابل، هو الواجب الذي لا يؤديه اللئام.

لا بد من البدء سريعاً في عملية استعادة العقل الكلي والنصاب، لأن ما جرى في سياقات التدمير المتوازي للكيان الوطني، كثير وكارثي، بيد العدو وبيد رئيس السلطة. فقد تلازم تدمير الأبراج والعمائر والبيوت والمدارس، مع تدمير مؤسسات النظام السياسي وإحراق الوثيقة الدستورية، وحبس القانون.