"السيطرة الفعالة للاحتلال الإسرائيلي" معيار حاسم في استمرار اعتبار قطاع غزة إقليمًا محتلًا حربياً

"السيطرة الفعالة للاحتلال الإسرائيلي" معيار حاسم في استمرار اعتبار قطاع غزة إقليمًا محتلًا حربياً

فتح ميديا - رام الله:

تستمر الماكنة القانونية الإسرائيلية لتقديم مزاعم عدم إقرارها واعترافها بانسحاب وصف الإقليم المحتل حربياً على الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فتاريخياً تسعي الماكنة الإسرائيلية قدر ما تستطيع مجابهة العالم والمنظمات الحقوقية الدولية عبر السعي لتقديم مبررات للسلوك الإسرائيلي الرسمي الرافض بشدة الإقرار بقيام حالة الاحتلال الحربي والعسكري للأراضي الفلسطينية.

منذ بداية الاحتلال الحربي الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية؛ لم تتوقف الماكنة الإسرائيلية عن محاولاتها الحثيثة لتأكيد صوابية ما تدعيه؛ وكانت ترتفع الأصوات الإسرائيلية لتأكيد ذلك مستغلة أي تغيير سياسي أو ميداني؛ فنشطت مثلاً في العام 1993 إبّان توقيع اتفاقية أوسلو؛ وارتفعت وتيرتها أثناء وبعد تطبيق خطة إعادة الانتشار من قطاع غزة في العام 2005؛ وأخذت هذه الأصوات حيزاً كبيراً جداً من الاهتمام الإسرائيلي مع وأثناء التقدم البطيء للمساعي الفلسطينية لدى المحكمة الجنائية الدولية الدائمة.

مؤخراً عكف كلاً من روي شوندورف؛ نائب المدعي العام الإسرائيلي للقانون الدولي؛ والعقيد إيران شامير بورر، رئيس قسم القانون الدولي في الجيش الإسرائيلي؛ على نشر مقالٍ بمجلة Iyunei Mishpat قصد التشكيك في رأي مكتب المدعية العامة للمحكمة الجنائية بشأن استمرار مسؤوليات والتزامات قوات الاحتلال الإسرائيلي اتجاه قطاع غزة. إنّ ما جاء في ذلك المقال؛ فضلاً عن توقيته الذي يترافق مع اقتراب احتمال موعد رد الدائرة التمهيدية على طلب المدعية العامة للمحكمة الجنائية؛ بشأن ولايتها الإقليمية على الأرضي الفلسطينية المحتلة؛ دفعنا لكتابة هذا المقال قصد الرد بشكل قانوني دولي على المزاعم الإسرائيلية فيما يتعلق باستمرار اعتبار قطاع غزة إقليم محتل حربياً.

تفكيك السيرورة التاريخية لحالة الإنكار الإسرائيلي:

تتقاطع لحد بعيد المواقف والمبررات الكلاسيكية والحديثة والمعاصرة الإسرائيلية للقول بعدم وصف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بأنها حكومات احتلال حربي، وذلك بالمحصلة النهائية بغية تحقيق غاية أساسية تركز على دعم مسار عدم التزام الحكومات الإسرائيلية بالالتزامات القانونية الدولية اتجاه إقليم المحتل وساكنيه.

فمع بداية الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإصدار البلاغات العسكرية الثلاثة الأولى، والتي تشير نصوصها إلى التزام إسرائيل تطبق أحكام معاهدات جنيف وإعطائها الأفضلية في التطبيق على الأراضي الفلسطينية؛ لكن بعد فترة قصيرة لجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلية إلى نفي صفة الاحتلال عن هذه الأراضي، وأطلقت عليها اسم الأراضي " المحررة أو المدارة "، وذلك بمقتضى بعض الحجج التي حاول رجال القانون الإسرائيليين سياقها؛ ومن بينها أن ضم الأردن للضفة الغربية عام 1950 قد تم بصورة غير شرعية، فحلول إسرائيل محلها ينفي صفة الاحتلال عنها، وبالتالي هي غير ملزمة بتطبيق الاتفاقية الرابعة، ولكن هذا الأمر مردود لأن رفض الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بشرعية الحكومة الأردنية لا يعني عدم تطبيق الاتفاقية.

أيضاً ادعاء السلطات الإسرائيلية أن اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب لا تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بحجة أن هذه الأراضي ليست محُتلة، لم تغير من حقيقة الانطباق القانوني لاتفاقية جنيف الرابعة على هذه الأراضي، والذي أكد على ذلك الإعلان الصادر عن مؤتمر الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة، والذي انعقد في جنيف بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2014، والذي جاء فيه "تشدّد الأطراف المتعاقدة السامية المشاركة على استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة وجدواها حيث تعهّدت كافة الأطراف المتعاقدة السامية باحترامها وبضمان احترامها في جميع الظروف. كما ناشدت قوات الاحتلال بأن تحترم بالكامل وبفعالية اتفاقية جنيف الرابعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وذكّرت أيضاً قوات الاحتلال بواجبها بإدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل يأخذ في الحسبان كامل احتياجات الشعب المدني لدى صون أمنه، ولا سيّما الحفاظ على خصائصه الديموغرافية".

قوبل التوجه السياسي لدولة إسرائيل برفض من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، هذا ما جعل إسرائيل تزعم أنها تلزم نفسها بتطبيق الأحكام الإنسانية من الاتفاقية، غير أن هذه الادعاء لا قيمة له قانونياً، بسبب أن القواعد الواردة في اتفاقية جنيف قد تم الاتفاق على أنها قواعد قانونية آمرة (أي واجبة التطبيق)، وذلك وفقاً لتعريف المادة (53) من اتفاقية فيينا الخاصة بالمعاهدات الدولية، وطالما أن إسرائيل أقرت بالأحكام الإنسانية الواردة في الاتفاقية، فإن باقي أحكام الاتفاقية تكون محل تطبيق حتى لو لم تقبل بها إسرائيل باعتبارها قواعد قانونية آمرة وجزء لا يتجزأ من المنظومة الدولية، فضلاً عن صعوبة تحديد الأحكام الإنسانية الواردة في الاتفاقية تحديداً دقيقاً، مما يسمح معه التهرب من هذا الالتزام أيضاً.

حاولت إسرائيل التنصل من التزاماتها الدولية المنشأة بموجب قانون الاحتلال الحربي واتفاقيات حنيف الأربعة لعام 1949 وذلك في أعقاب توقيع اتفاقية أوسلو وما أعقبها من اتفاقيات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ إلا أن المادة 47 من اتفاقية جنيف لعام 1949 واضحة بعدم تأثير قيام حالة الاحتلال بأي اتفاق ثنائي مهما كان طبيعته؛ فضلاً عن أن المادة الأولى المشتركة من اتفاقيات جنيف الأربعة؛ تلزم أطرافها باحترام الاتفاقية وكفالة تنفيذها، وتضع على عاتق الدول السامية المتعاقدة التزامات متعددة من بينها إجبار الدولة العضو على احترام التقيد بتنفيذ الاتفاقية.

من ناحيةٍ أخرى لم يحصل الفلسطينيون بموجب اتفاقية أوسلو على دولة مستقلة، وإنما حصلوا على حكماً ذاتياً منقوص الصلاحيات بفعل الاحتلال، وبالتالي فالحكم الذاتي في هذه الحالة لا ينفي الاحتلال ولا ينهيه ولا يزيله، بل العكس هو الصحيح.

ثم جاء تنفيذ خطة إعادة الانتشار من قطاع غزة؛ التي تضمنت في العام 2005 تفكيك المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في القطاع؛ وإعادة تمركز وانتشار قوات الاحتلال الإسرائيلية عل طوال حدود قطاع غزة؛ وإعادة الماكنة الإسرائيلية تكرار ذات المبررات؛ ما استدعي في حينه رداً قانونياً فلسطينياً بأن خطة إعادة الانتشار ما هي إلا محاولة للالتفاف على التزامات إسرائيل القانونية المطلقة كدولة احتلال وهي تتعارض كلياً مع القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. فعند الرجوع إلى نص المادة (47) من اتفاقية جنيف الرابعة وكما ذكرنا في الفقرة أعلاه، نجد أن أي اتفاق ثنائي مهما كانت طبيعته لا يوثر على قيام حالة الاحتلال، فكيف الحال إذا لم يكن هناك أي اتفاق؟ من باب أولى ستبقى حالة الاحتلال قائمة. ما نقصده هنا هو أن سلطات الاحتلال انسحبت من قطاع غزة دون أي اتفاق أو تنسيق مسبق مع السلطة الفلسطينية، فضلاً عن أنها احتفظت بصلاحيات أمنية واسعة وبقيت المصدر الوحيد للصلاحيات الأمنية والمدنية الممنوحة أصلاً للسلطة الفلسطينية في القطاع، ومنعت السلطة الفلسطينية من السيطرة على الميناء البحري والمعابر وتشغيل المطار. ومن الأدلة العملية على ذلك أن جميع الصلاحيات الإدارية والمدنية في القطاع خاضعة لسلطات الاحتلال، كتسجيل السكان في السجل المدني، ومنح الهويات للمواطنين الفلسطينيين، إذ أن ذلك لا يتم إلا بموافقة إسرائيل.

بالإضافة إلى أن المعابر جميعها تخضع لسيطرتها –أُغلقت جميعها باستثناء معبري إيرز وكرم أبو سالم- ما عدا معبر رفح الذي يخضع لسلطة مصر، غير أن إسرائيل لعبت دوراً هاماً في فتحه وإغلاقه، والدليل على ذلك أنها أمرت بإغلاقه بعد "فك الارتباط" مدة شهرين، ثم أغلقته عدة مرات كان آخرها في شهر يونيو/حزيران من عام 2008. هذا بخلاف التحليق اليومي للطائرات الإسرائيلية في سماء القطاع، والقصف المتكرر للمقرات الشرطية والأراضي الزراعية بين الفينة والأخرى، وتقليص مساحات الصيد في بحر غزة. أضف على ذلك، أن الواقع يشير إلى استمرار السيطرة الاجتماعية والاقتصادية لقوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة وساكنيه؛ وهذا ما انعكس بشكل واضح جداً في العام 2007 عندما أخذت قوات الاحتلال المزيد من إجراءات الخنق والحصار الاقتصادي لقطاع غزة.

انطباق صفة الاحتلال على قطاع غزة، أقر به أيضاً "ثيودور ميرون" المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية، والذي ذهب إلى أن القوات الإسرائيلية في قطاع غزة هي قوات محتلة، وأن ممارساتها تخالف بشكلٍ صريح المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة.

وبعد ذلك، وبالتحديد بعد التوترات والاضطرابات المسلحة التي وقعت في منتصف شهر حزيران من العام 2007 بقطاع غزة؛ أعلن الاحتلال ا الإسرائيلي أن قطاع غزة أصبح كياناً معادياً، حيث استعملت إسرائيل هذا الاصطلاح لتبرير فرض أية جزاءات أو عقوبات تستهدف المدنيين في القطاع. كما أنها أرادت من هذا المصطلح أن تؤكد بأن قطاع غزة كيان مستقل لا يخضع لأي احتلال وإنما هو معادٍ كونه يهدد أمن دولة إسرائيل. لكن عند النظر إلى اصطلاح "كيان معاد"، نجد أنه مصطلح غير متعارف عليه في أي اتفاقية من اتفاقيات القانون الدولي، فالقانون الدولي يعترف بالدول، ولغاياتٍ محددة يعترف بحركات التحرر الوطني مثل منظمة التحرير الفلسطينية هذا من ناحية.

من ناحيةٍ أخرى، أن هذا الاصطلاح الذي أطلقته إسرائيل قصداً للأسباب آنفة الذكر وأهمها تأكيد عدم مسؤوليتها عن قطاع غزة، لا يعفي إسرائيل من هذه المسؤولية ولا ينفى عن القطاع صفة الاحتلال. فقطاع غزة ليس دولة محررة ولا مستقلة، وإنما هو إقليم مُحتل تسيطر عليه إسرائيل سيطرة فعالة.

استمر الاحتلال الإسرائيلي بتكرار نفس المبررات؛ خاصة في أعقاب تأكيد تقرير مكتب المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية الصادر في العام 2019 على أن اختصاص المحكمة الإقليمي يمتد ليشمل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل خلال حرب الأيام الستة في يونيو 1967، أي قطاع غزة، الضفة الغربية والقدس الشرقية. يشار إلى هذه الأرض باسم "الأرض الفلسطينية المحتلة" ويحددها "الخط الأخضر" (المعروف أيضًا باسم "حدود ما قبل 1967")، وهو الخط الفاصل المتفق عليه في هدنة عام 1949.

حيث استرشد مكتب المدعية العامة للمحكمة للوصول لهذه النتيجة؛ بجملة من الأسس القانونية الدولية؛ من بينها قبول طلب دولة فلسطين انضمامها للمحكمة؛ فضلا عن حصول فلسطين بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 67/19 الذي تم تبنيه في 29 نوفمبر 2012، على وضع "دولة مراقبة غير عضو" في الأمم المتحدة ، مما أتاح لها القدرة على الانضمام إلى المعاهدات الدولية مثل نظام روما الأساسي من خلال صيغة "جميع الدول؛ والاعتماد على آراء المجتمع الدولي و المؤسسات الدولية التي ربطت منذ زمن طويل حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بالأرض الفلسطينية المحتلة؛ حيث أكد مجلس الأمن أنه لن يعترف بأي تغييرات في خطوط 4 يونيو 1967، وأصدر قراره رقم 1544 الصادر بتاريخ 19 مايو/آيار 2004 والذي يقضي بضرورة حماية المدنيين وتطبيق اتفاقية جنيف، كما رأت محكمة العدل الدولية أن بناء الجدار العازل في الضفة الغربية يعيق بشدة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير؛ و شدد مجلس حقوق الإنسان على ضرورة انسحاب إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967؛ ويمكن إيجاد عدد لا يحصى من القرارات والتصريحات التي أصدرها المجتمع الدولي على مر السنين،التي تؤكد على أن الأرض الفلسطينية محتلة حربياً.

العناصر الأساسية لحالة" الاحتلال الحربي والعسكري":

يطبق قانون الاحتلال الحربي؛ بغض النظر عن قانونية الأعمال أو الأسباب التي تؤدي إلى ذلك؛ علاوة على ذلك، فإن الاحتلال العسكري هو نظام مؤقت جوهريًا ولا يمكن أن ينتج عنه نقل ملكية الأرض إلى سلطة الاحتلال؛ وبالمثل فإن أي ضم أحادي الجانب من جانب السلطة القائمة بالاحتلال لأرض محتلة -كليًا أو جزئيًا -ليس له أي شرعية قانونية ويستمر تطبيق قانون الاحتلال.

الأدبيات القانونية والفقهية والقضائية الدولية؛ تشير بأنه لاعتبار منطقة ما " محتلة حربياً " يكون عنما تخضع فعليًّا لسلطة جيش معاد؛ حيث نصت المادة 42 من اتفاقية لاهاي لعام 1907م أنه ( يعتبر الإقليم محتلاً، عندما يتم وضعه بالفعل تحت سلطة الجيش المعادي؛ يمتد الاحتلال فقط إلى الإقليم الذي أنشئت فيه هذه السلطة، ويمكن ممارستها فيه)، وقد توسّعت المادة 02 من اتفاقيات جينيف في هذا المجال لتشمل الحالات التي لا تتواجد فيها مقاومةً مسلحة؛ وذلك بالنص على (تنطبق الاتفاقية أيضاً في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة).

وبهذا الصدد يؤكد البروفيسور ديب عكاوي ظهور – في نظرية القانون الدولي المعاصر – تعريف متعارف عليه للاحتلال الحربي؛ بموجبه هو:(احتلال مؤقت من قبل القوات المسلحة لدولة معينة لأراضي دولة أخرى أو جزء منها وإقامة سلطة الإدارة العسكرية على الأراضي المحتلة).

وذهب أيضاً البروفيسور جورج نولته، أستاذ القانون الدولي في جامعة ميونيخ، إلى القول إن "قطاع غزة ليس جزءاً من أرض إسرائيل، ولم تعتبره إسرائيل كذلك إلا أنها تسيطر عليه. والمعروف عن مصطلح الاحتلال أنه سيطرة من دولة أجنبية على منطقة ليست جزءاً من أراضيها، وأن هذه السيطرة - الاحتلال- تكون قائمة حتى لو لم يكن الجنود منتشرين على كل أجزاء المنطقة. فقطاع غزة يظل إقليماً محتلاً حتى بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، طالما أنها لم تمنح هذا الإقليم لسكان القطاع وتضمن لهم الاستقلالية".

محكمة العدل الدولية على الأقل في مناسبتين (الرأي الاستشاري بشأن الجدار العازل الإسرائيلي "2004"؛والأنشطة المسلحة في أراضي الكونغر "2005") خلصت أنه بموجب القانون العرفي الدولي والقانون الدولي الإنساني؛ فإن الأرض تعتبر محتلة حينما تكون فعلًا تحت سلطة جيش معادٍ، وأن الاحتلال يمتد فحسب إلى الأراضي التي أرسيت فيها مثل هذه السلطة ويمكن ممارستها فيها؛ وبذلك تكون المحكمة قد اشترطت وجود قوات أجنبية مسلحة على أرض ما ليتم تصنيفه على أنه احتلال، ويجب أن ترسي شكلًا من أشكال السلطة فوق الأرض المعنية؛ وهذا الأمر ماثل بقوة في حالة قطاع غزة؛ حيث تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي بالسيطرة والتحكم في الإقليم وسكانه؛ حيث هنالك أكثر من دليل على ممارسة قوات الاحتلال الإسرائيلي سلطاتها الحربية في الواقع وليس أدل على ذلك استمرار إيجاد منطقة العزل البرية والبحرية؛ والسيطرة الفعلية على المجال الجوي.

وكذلك الحال؛ أوضحت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا سابقًا الأحكام التي تنطبق على الأراضي المحتلة في قضية ناليتيليتش ومارتينوفيتش (2003) وكررت الدائرة الابتدائية للمحكمة منطوق المادة 42 من أنظمة لاهاي لعام 1907 “تعتبر الأرض محتلة حينما تخضع فعليًّا لسلطة جيش الخصم. ويشمل الاحتلال فحسب الأراضي التي أرسيت فيها هذه السلطة ويمكن ممارستها” وشدَّد الحكم على أن الاحتلال العسكري يفرض واجبات على سلطة الاحتلال أكثر مما يفرض على طرف في نزاع دولي مسلح ويلزم توافر درجة أكبر من السيطرة لإرساء الاحتلال؛ وأكَّدت المحكمة أيضًا أنه يجب على سلطة الاحتلال احترام التزاماتها خلال هذا الوقت الذي يستمر فيه الاحتلال وعلى عموم الأرض المحتلة سواء كان احتلالها احتلالًا شاملًا أو جزئيًّا. ولذلك فإن دائرة المحكمة وجدت أنه يجب الحكم في كل حالة على حدة فيما يتعلق بهذه الدرجة من السيطرة التي أرسيت في الأوقات المعنية وفي الأماكن.

وفي قضية السكيني؛ أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (2011) أنه كان يتعين على الحكومة البريطانية الالتزام بالامتثال للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان في كل أفعالها في الأراضي العراقية، وذلك لأنه القوات البريطانية تولَّت ممارسة كل أو جزء من السلطات العامة التي تمارسها في العادة حكومة ذات سيادة في العراق، حتى عند تعيين حكومة عراقية مؤقتة. كما توصلت المحكمة لذات النتيجة في قضية آل جدة (2011) حيث أكَّدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان الالتزام المترتب على الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالتطبيق خارج الإقليم للاتفاقية الأوروبية في سياق أنشطتها العسكرية في العراق بوصفها سلطة احتلال تحتجز الأسرى في إقليم محتل حربياً.

بصفة عامة فإن المتفق عليه وجوب توافر عناصر معينة لأخذ صفة الاحتلال؛ وتتمثل في:-قيام حالة حرب أو نزاع مسلح بين قوات دولتين -أوأكثر-تتمكن فيها أحدها من غزو أراضي الدولة الأخرى، واحتلالها كلها أو بعضها؛ -قيام حالة احتلال فعلية مؤقتة تحتل فيها قوات مسلحة أجنبية، أراضي دولة أخرى وتضعها تحت سيطرتها؛ -وجوب أن يكون الاحتلال فعالاً ومؤثرا، فالاحتلال لا يبدأ إلا إذا كانت قوات الاحتلال قد استطاعت السيطرة على كل أو جزء من الأراضي التي غزتها.

إن انطباق قانون الاحتلال الحربي؛ يتم بناء على نهج معياري؛ يتكون من أنظمة لاهاي والقانون العرفي الدولي؛ واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949؛ ويستند على ضرورة استيفاء الشروط المستنتجة من نص المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ ولكن ما يثير الدهشة أن القانون الدولي الإنساني حتى اللحظة لم يقدم تعريفياً دقيقاً لحالة الاحتلال الحربي؛ ومتى تبدأ بدقة وكيف ومتى تنتهي؛ خاصة في ظل النزاعات المعاصرة التي عرفت الاحتلال بالوكالة والاحتلال من قبل قوات متعددة الجنسيات، وفي ظل عدم وضوح نص المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ حيث إن الملاحظ على تعريف حالة الاحتلال الحربي والعسكري؛ الوارد في اتفاقية لاهاي والقوانين العرفية؛ يبدو كأنها - للوهلة الأولى - تشترط التواجد المادي والفيزيقي لقوات الاحتلال في الإقليم المحتل حربياً عبر إقامة سلطة أو حكومة تدير شؤون الإقيلم المحتل حربياً وساكنية؛ وهذا الأمر ليس دقيقاً؛ حيث يأخذ فقط التعريف في الحسبان السيطرة الفعلية لقوات الاحتلال الحربي على أرض سلطة معادية؛ التي قد تتأتي بأى وسيلة من بينها السيطرة على الحدود البرية والجوية والبحرية؛ وما يشترط فقط أن تكون هذه السيطرة فعّالة بوصف ذلك العامل الحاسم في قيام حالة الاحتلال الحربي.

كما أن الواضح أن المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ لا تأخذ بعين الاعتبار رأي أطراف النزاع؛ فتقوم حالة الاحتلال الحربي بناء على ظروف موضوعية لا تستند رأي الأطراف أو أحدهم؛ كون قانون الاحتلال الحربي هو جزء وباب من أبواب القانون الدولي الإنساني الذي يتمتع بخاصية الانطباق التلقائي متى توافرت شروط الانطباق؛ فقانون الاحتلال الحربي ينطبق دون أي تمييز ضار على أساس الطبيعة أو أصل نزاع مسلح معين، والأهداف التي تسعى إليها قوة الاحتلال.

ونظراً للغموض الذي يحيط بتفسير حالة الاحتلال الحربي، حدد منشوراً صادراً عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر الحالات التي يصل فيها الاحتلال إلى نهايته، والتي تتلخص في نقطتين؛ أولهما توقف الجيش الأجنبي عن ممارسة السيطرة الفعلية على الأراضي المحتلة؛ وثانيهماتوقف قوة الاحتلال الحربي عن ممارسة مهام الحكومة في الأراضي المحتلة وإعادة السلطة إلى الدولة السيادية؛ وهو ما لم يتحقق، فكل شيء يخص الأراضي المحتلة ومنها قطاع غزة هو بيد الاحتلال، كما أن السيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية لم تنقل للفلسطينيين بفعل الاحتلال.

السيطرة الفعالة للاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة:

إن فعلية الاحتلال الحربي وآثاره المباشرة في إخضاع الإقليم المحتل للسيطرة المادية والعسكرية، هي العنصر المميز في تعريف الاحتلال الحربي، وعليه فإن تطبيق القواعد القانونية الخاصة به من حيث المكان والزمان، يكون فور إثبات هذا العنصر، فلا تسري أحكام قانون الاحتلال الحربي (أحكام القانون الدولي الإنساني المطبق على الأقاليم المحتلة)، إلا في الأراضي المحتلة التي تدعمت فيها السلطة الفعلية لقوات الاحتلال بعد غزوها، وبمفهوم المخالفة فإن أي حالة تخرج عن نطاق الحالة أعلاه فلا يسري عليها قانون الاحتلال الحربي.

ولكن تبقي عبارة " السيطرة الفعالة " تثير العديد من الإشكاليات التي يتطلب فحصها بدقة العودة إلى النتائج التي خلصت إليها معاهدات القانون الدولي الإنساني وأعمالها التحضيرية؛ وآراء الفقهاء والمؤلفات العلمية؛ والكتيبات العسكرية للجيوش؛ والقرارات القضائية الدولية؛ التي اتفقت بشكل عام على ثلاثة عناصر في تحقيق معادلة الاحتلال؛ وهي: عدم الموافقة على وجود القوات الأجنبية، قدرة القوات الأجنبية على ممارسة سلطتها على الإقليم المعنية بدلاً من السيادة المحلية، وما يرتبط بذلك من عدم قدرة الأخير على ممارسة سلطتها على الإقليم؛ و في العادة يستخدم رجالات القانون العناصر الثلاثة سالفة الذكر لمعرفة ما إن كانت حالة ما مؤهلة لتكون احتلال حربي لأغراض انطباق القانون الدولي الإنساني؛ وأن هذه العناصر مجتمعة تسمي بــ"التحكم الفعال".

من أمثلة ذلك، ما ذهبت إليه الكتب العسكرية التعليمية في تفسير المقصود بوجود حالة الاحتلال، حيث يوفر الدليل العسكري البريطاني الجديد شرطين لإثبات وجود حالة الاحتلال، الشرط الثاني فيه هو "أن تصبح الحكومة السابقة عاجزة عن ممارسة سلطتها على هذه المنطقة علانية، أو أن تكون دولة الاحتلال في وضع يسمح لها بـإحلال سـلطتها محل سلطة الحكومة السابقة". وهو ما يعني أن حالة الاحتلال تكون قائمة إذا توافرت هذه الشروط حتى لو لم تكن موجودة فعلاً على الأراضي المحتلة، وهو حال قطاع غزة.

من البديهي أن الاحتلال ينطوي على درجة معينة من سيطرة القوات المعادية على أرض أجنبية أو أجزاء منها بدلاً من السيادة الإقليمية. ومع ذلك، فإن تطبيق قانون الاحتلال لن يكون فقط عندما تمارس القوات الأجنبية سيطرتها الكاملة على أراض أجنبية ولكن أيضًا عندما يمارسون مستوى أقل من السلطة؛ وهذا التأكيد تدعمه المؤلفات القانونية، التي ثبتت مفهوم السيطرة الفعالة كعنصر مركزي في قضية الاحتلال.

للتعمق في تفسير معنى وعناصر (السيطرة الفعالة) الواردة في نص المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ يُطرح السؤال الجوهري وهو: هل تتطلب السيطرة الفعالة الوجود المادي للقوات الأجنبية المعادية؟ الحقيقة في ضوء التطورات المتلاحقة بشق تكنولوجيا استخدام القوة والأسلحة؛ فإن التفسير النمطي للمادة 42 يصبح محل ريبة وشك؛ حيث يمكن لسلطات الاحتلال المعاصرة فرض سيطرتها الفعالة على الأراضي الأجنبية وفرض سيطرتها على الحياة المدنية لسكان هذه الأراضي؛ دون استمرار وجودها المادي العسكري فيها؛ لذا يمكن تعريف السيطرة الفعالة بهذا السياق على أساس قدرة القوة الأجنبية على إبراز قوتها العسكرية من مواقع خارج حدود الإقليم المحتل.

تشير بعض المؤلفات العلمية القانونية إلى أن السيطرة الفعالة تعني أيضا القدرة المحتملة للقوات الأجنبية للعدو على إثبات أنشطة الاحتلال، بمعنى آخر السيطرة الفعالة تعني أن المحتل سوف يضع سلطته موضع التنفيذ، على سبيل المثال، من خلال فرض -أو عن طريق القدرة على التنفيذ -التوجيهات الصادرة إلى السكان المحليين. ومع ذلك يجب أن لا يفهم وجود السيطرة الفعالة بأنه التواجد العسكري الحربي على كل متر من الأرض المحتلة؛ فيمكن أن تقوم السيطرة الفعالة من خلال تمركز قوات الاحتلال الحربي (القوات المعادية) في مواقع استراتيجية على الأراضي المحتلة، ما يمكنها على سبيل المثال الحد من حركة السكان في مناطق معنية؛ كما يحدث على الحدود الشرقية لقطاع غزة؛ وكذلك سيمكنها من إرسال قوات خلال مدة زمنية معقولة، لجعل سلطتها محسوسة في جميع أنحاء المنطقة؛ وبالتالي قد تتخذ السيطرة الفعالة، إلى حد ما، شكل التحكم والسيطرة عن بعد؛ ما يمكن أن نسميه ( احتلال بطريقة الريموت كنترول).

تتوفر العشرات من الأدلة الدامغة على تحكم وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة وحياة ساكنيه؛ ليس فقط عبر إجراءات تقيد حرية الحركة على المعابر؛ بل من خلال منع دخول البضائع وتقييد وصول الإرسالات الطبية بما في ذلك اللقاح الخاص بفيروس كورونا؛ وتخفيضات في إمدادات الوقود والكهرباء؛ وفرض منطقة عازلة برية وبحرية؛ واستمرار السيطرة على كل المجال الجوي؛ و فرض عزلة سياسية واقتصادية على قطاع غزة؛ وتكرار الهجمات الحربية على أهداف مدنية في قطاع غزة بما في ذلك استهداف مقار الشرطة المدنية وتدميرها؛ واستهداف الأبراج السكينة المدنية وغيرها على مدار ثلاث عمليات حربية واسعة النطاق نفذت خلال الأعوام 2008 – 2012 – 2014؛ ما يجعل النتيجة التي توصلت إليها محكمة العدل الدولية في قرارها بشأن الكونغو بأن الاحتلال يمكن أن يتواجد ويقوم على أساس قدرة القوة الأجنبية على إبراز قواتها العسكرية من مناطق خارج حدود "الأراضي المحتلة".

أيضاً فيما يتعلق بمعايير السيطرة الفعلية في قطاع غزة، قدم "جون دوغارد" المقرر الخاص للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 2008 تقريراً في الدورة السابعة لجلسة مجلس حقوق الإنسان، شرح فيها مظاهر السيطرة الفعلية للاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، والتي تتجلى في عدة صور؛ منها السيطرة المحكمة على المعابر الستة، واعتبار بعض المناطق "محظورة" في القطاع، بحيث يُطلق الرصاص على كل من يدخلها من السكان، وكذلك السيطرة الكاملة على المجال الجوي والبحري والسجل السكاني.

إن الفهم الكلاسيكي لمضامين نص المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ يؤكد على أهمية وجود عسكري معاد على الأراضي الأجنبية -في معظم الحالات – حيث ينظر لذلك بوصفه شرط ضروري لوصف تلك الأرض بأنها "محتلة". في حين أن وجود القوات الأجنبية قد لا يكون كافياً لتصنيف منطقة على أنها أرض محتلة، فهي مع ذلك شرط لأنه يوفر بشكل عام الشروط اللازمة لممارسة السيطرة الفعالة.

وجود قوات الاحتلال على الأرض وسيطرتها وتحكمها بحياة المدنيين يؤثر حتماً على تطبيقها لالتزاماتها بموجب معاهدات القانون الدولي الإنساني؛ فالتخفيف من وتيرة شرط التواجد المادي العسكري في مقابل شرط التحكم والسيطرة يجب أن لا يفهم بوصفة وسيلة تسمح بنجاح هرب قوات الاحتلال من مسؤولياتها القانونية تجاه إقليم المحتل وساكنيه؛ بل يجب أن يفهم في سياق أن تحكم وسيطرة قوات الاحتلال تمنع وتحد من قيام السلطة الشرعية بدورها وواجباتها؛ وفي المقابل أيضا لا يمكن التصديق أن رفض قوات الاحتلال القيام بأداء التزاماتها القانونية يشكل سبب قانوني لعدم وصف الإقليم المحتل بهذه الصفة؛ فالغالب تاريخياً أن قوات الاحتلال الحربي لا تمتثل لواجباتها؛ ومع ذلك تبقى قوة احتلال حربي.

ختاماً: إن فكرة السيطرة الفعالة؛ تشكل صميم تعريف الاحتلال الحربي وخصائصه التي من بينها الوجود العسكري غير الموافق عليه للقوات الأجنبية في الأراضي المعنية، وقدرة القوات على ممارسة سلطتها على تلك المنطقة بدلاً من الحكومة المحلية، وما يرتبط بذلك من عدم قدرة الحكومة المحلية على ممارسة سلطتها في المنطقة المعنية؛ وإن هذه الخصائص التي تعتبر بمثابة المتطلبات الأساسية التي تكون بشكل تراكمي المعنى الوارد في نص المادة 42 من اتفاقية لاهاي (خاضعاً فعلياً لسلطة العدو) بما في ذلك حالة الانسحاب الأحادي الجانب لقوات الاحتلال من جزء من الإقليم المحتل واستمرار المحافظة على جزء من الصلاحيات التي كانت ممنوحة لها؛ فإن هذا الامر لا يخُرج هذا الإقليم من دائرة وصفه محتل حربياً.

وخلاصة القول، إن التحكم الفعال هو السمة الرئيسية لـلاحتلال، بموجب القانون الدولي الإنساني؛ وواقع الحال في قطاع غزة يشير بشكل واضح إلى استمرار قدرة قوات الاحتلال الإسرائيلي السيطرة على القطاع وساكنيه والتأثير بمجريات حياتهم المدنية اليومية؛ حتى مع وجود المقاومة المسلحة؛ فالمتفق عليه أن مقاومة المحتل لا يعتبر سبباً من أسباب إنهاء الاحتلال. وبالتالي؛ كل الذرائع والمبررات التي تقدمها الماكنة القانونية الإسرائيلية؛ واهية ولا يمكن التصديق بها؛ ولا يمكن أن تشكل عائق قانوني أمام استمرار عمل المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالمسار الفلسطيني؛ خاصة في ضوء القراءات والتحليلات الحديثة والمعاصرة لنص المادة 42 من اتفاقية لاهاي؛ وفي ضوء قرارات المحاكم الدولية المختلفة.