السلطة الفلسطينية تواجه أزمة مالية خانقة تهدد بقاءها

السلطة الفلسطينية تواجه أزمة مالية خانقة تهدد بقاءها
كاركاتير: عزام الأحمد والرئيس محمود عباس

فتح ميديا- وكالات:

يعمل أنيس المحسن موظفاً في السلطة الفلسطينية براتب شهري قدره نحو 1200 دولار، وهو مبلغ شديد التواضع أمام حاجات أسرته الكبيرة المؤلفة من 9 أفراد، بينهم 3 طلاب جامعيون. 

وتضاعفت أزمة هذا الموظف، وباتت فوق قدرة أسرته على الاحتمال منذ مايو الماضي، بعدما قلصت الحكومة رواتب الموظفين بنسبة 50 في المئة، إثر تجميد التحويلات الجمركية من إسرائيل، وتوقف الدعم الخارجي من الدول المانحة، وتراجع الإيرادات المحلية جراء التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا. 

وقال أنيس البالغ من العمر 57 عاماً: "ما يجري هو تجويع فعلي للموظفين وأسرهم. نعرف أن هناك ضغوطاً سياسية، لكن أقساط الجامعات والمواصلات والخبز لا تعرف السياسة".  

ورسم رئيس الوزراء محمد اشتية صورة قاتمة عن الوضع المالي للسلطة الفلسطينية، أثناء الاجتماع الأسبوعي الأخير لحكومته، ولم يكن لديه ما يقدمه للموظفين وأسرهم سوى دعوات الصبر والصمود.

وقال اشتية في كلمته التي نُشرت وبُثت على نطاق واسع في وسائل الإعلام المحلية، إن الإدارة الأميركية وإسرائيل تشنّان "حرباً مالية" على السلطة الفلسطينية لدفعها إلى قبول شروط التفاوض على أساس مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المسمى "صفقة القرن". 

وأضاف أن إدارة ترمب أوقفت المساعدات المالية المباشرة للسلطة، وقيمتها 500 مليون دولار سنوياً، وأن الدول المانحة أوقفت مساعدات مماثلة قدرها 350 مليون دولار، مشيراً إلى أن الإيرادات الداخلية تراجعت أيضاً بنسبة 60 في المئة جراء تراجع النشاط الاقتصادي بفعل كورونا. 

وأوقفت إسرائيل التحويلات الجمركية التي تجمعها عن الواردات الفلسطينية، منذ مايو الماضي، بعد قرار السلطة وقف التنسيق والتعاون الأمني معها رفضاً لمشروع ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. وتشكل هذه التحويلات 65 في المئة من إيرادات الحكومة، ما جعلها عاجزة عن دفع رواتب موظفيها. 

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية - AFPرئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية خلال مؤتمر صحافي في رام الله بتاريخ 5 مايو 2020 - AFP

حل مؤقت

وكشف اشتية أن حكومته لجأت إلى الاستدانة من البنوك المحلية من أجل توفير 50 في المئة من رواتب الموظفين، مشيراً إلى أنها تحصل على قروض شهرية قدرها نحو 120 مليون دولار، بفوائد كبيرة. 

وقال وزير الشؤون الاجتماعية أحمد مجدلاني لـ"الشرق"، إن السلطة الفلسطينية حاولت الحصول على قروض من دول عدة، لكن تلك الدول لم تستجب بسبب الضغوط الأميركية، لافتاً إلى أن لدى البنوك سقفَ إقراض محدوداً، وبالتالي لن تواصل إقراض الحكومة لفترة طويلة مقبلة. 

وكشف وزير آخر في الحكومة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن الحكومة لن تكون قادرة حتى على دفع نصف الراتب للموظفين بعد شهر نوفمبر المقبل. وأضاف: "الشهر المقبل هو آخر شهر يمكن للحكومة أن تقترض فيه من البنوك، وبعدها لن نكون قادرين على دفع أي جزء من رواتب الموظفين". 

ضغط على القيادة

وأجرت أطراف أوروبية عدة أخيراً وساطات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، من أجل استئناف التحويلات الجمركية، لكنها لم تفلح، إذ اشترطت الحكومة الإسرائيلية ذلك بتراجع السلطة عن قرارها وقف العلاقة معها. 

وقال مجدلاني إن "وقف التحويلات الجمركية جزء من الحرب المالية التي تشنّها إسرائيل والإدارة الأميركية على السلطة من أجل تحقيق أحد هدفين، إجبار السلطة على الخضوع وقبول المشروع الأميركي، أو إضعافها بهدف محاولة البحث عن قيادة بديلة تقبل بهذا المشروع".  

وأضاف: "لكن هذا لن ينجح، إذ لا يوجد بيننا مَن يقبل المشروع الأميركي، ولا يوجد مَن هو قادر على قبول هذا المشروع، حتى لو أراد، وشعبنا لن يقبل أي قيادة بديلة تقبل بهذا المشروع". 

 

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال إعلان "صفقة القرن" في البيت الأبيض- 28 يناير 2020 - AFP

وبيّنت استطلاعات للرأي العام، أخيراً، أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين (97 في المئة) ترفض مشروع ترمب. 

ولجأت الحكومة الفلسطينية، أخيراً، إلى برنامج تقشّف كبير بهدف الحد من تأثيرات هذه الأزمة المالية الحادة، إذ خفضت نفقاتها بنسبة كبيرة وصلت إلى 70 في المئة، وفق اشتية.

وتعدّ السلطة الفلسطينية المصدر الثاني للتشغيل، بعد القطاع الخاص، في الأراضي الفلسطينية. وقال اشتية إن الحكومة تقدم رواتب شهرية لـ 350 ألفاً، بينهم 140 ألف موظف، و75 ألف متقاعد، و 120 ألف حالة اجتماعية، إضافة إلى أسر الأسرى والشهداء. 

نوفمبر الحاسم

وأمام هذه الضائقة المالية الشديدة، يرى العديد من المسؤولين والمراقبين أن المخرج الوحيد أمام السلطة الفلسطينية هو إما هزيمة ترمب في الانتخابات التي ستجري بعد شهر، أو التراجع عن قرارها وقف العلاقات مع إسرائيل من أجل الحصول على أموال التحويلات الجمركية. 

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت الدكتور نصر عبد الكريم لـ"الشرق": "إذا فاز ترمب في الانتخابات، وواصلت إسرائيل احتجاز أموال المقاصة، كما هو متوقع، فستجد السلطة نفسها غير قادرة حتى على دفع 50 في المئة من رواتب الموظفين، بعد حين". 

وأضاف أن "هذه أزمة سياسية، ولن يكون الحل إلا سياسياً، وليس مالياً، فمن الواضح أن إدارة ترمب قررت ممارسة أقصى ضغط مالي على السلطة من أجل إجبارها على الدخول في عملية سياسية على أساس مشروع ترمب، وإسرائيل معها في ذلك، أو إحداث تصدعات في مبنى السلطة من أجل تغيير هذا المبنى، وجلب ممثلين يقبلون بذلك". 

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يعرض خريطة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يعرض خريطة "قضم" فلسطين التاريخية وصولاً إلى "صفقة القرن" - 3 سبتمبر 2020 - AFP

وفي السلطة الفلسطينية، يقول المسؤولون إنهم لن يستجيبوا للضغوط الأميركية، حتى لو انهارت هذه السلطة. 

وقال الناطق باسم الحكومة إبراهيم ملحم لـ"الشرق"، إن "السلطة لم تكن هدفاً للفلسطينيين، بل وسيلة للوصول إلى الهدف، وهو الدولة"، مضيفاً أن "المطروح ثمن بخس، وهو استمرار الراتب مقابل التخلي عن الحقوق الوطنية، وهذا لن يحدث، ولا يمكن لأحد القبول به".

وأكد ملحم أن السلطة الفلسطينية لن تتراجع عن قرارها وقف العلاقة مع إسرائيل إلا إذا تراجعت الأخيرة عن قرارها ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. 

وعن شدة الأزمة المالية، قال ملحم: "الفاتورة الشهرية للرواتب تبلغ 1.2 مليار شيقل، فيما إيرادات الحكومة اليوم لا تزيد على 200 مليون شيقل". 

الاستعداد للأسوأ

ووضع مسؤولون أمنيون سيناريوهات عدة للمرحلة المقبلة، منها ما يسمى "أسوا الاحتمالات" وهو استيلاء إسرائيل على الجهاز المدني والأمني للسلطة في محاولة لإيجاد قيادة بديلة.

وقال مسؤول أمني بارز لـ"الشرق"، إن "التعليمات لدى قادة أجهزة الأمن واضحة، ففي حال أقدمت إسرائيل على أسوأ السيناريوهات، وهو الاستيلاء على جهاز السلطة، يجري فوراً حل الجهاز الأمني"، إذ "لا يمكن للجهاز الأمني الفلسطيني أن يعمل أداة للاحتلال". 

وتابع: "يمكن أن يستمر الجهاز المدني، المستشفيات والمدارس والبلديات في تقديم خدمات للجمهور، وعندها ستتحمل إسرائيل كدولة احتلال كل الأعباء، لكن لا يمكن للجهاز الأمني أن يستمر، لأنه في هذه الحال سيكون أداة الاحتلال وسيفه على رقبة الشعب، وهو ما لا يمكن لأحد قبوله". 

وبعيداً عن المداولات السياسية، يكابد الموظفون نتائج الأزمة المالية الحادة التي تضربهم بلا هوادة. 

وقال أنيس المحسن، وهو معلم رياضيات منذ نحو 30 عاماً: "في الأشهر الماضية لجأت إلى الاستدانة من أقرباء، وبلغت ديوني 5 آلاف دينار أردني (7 آلاف دولار أميركي) غالبيتها من أجل دفع أقساط أبنائي في الجامعات، لكن لم أعد قادراً على إيجاد المزيد من الدائنين".

وأضاف: "إذا استمر الوضع على هذه الحال فلا يمكنني الاستمرار، لا يمكن لأبنائي مواصلة الدراسة".