في أوراق العشر الأواخر

بقلم/ عدلي صادق

لم يعد ممكناً، بعد أن تكشفت في العشر الأواخر من رمضان، الكثير من وقائع الفساد الممنهج، وبعد أن انفضحت السرقة المغلفة بتعليلات وقحة، أن يستطيع أي طرف فلسطيني ضبط ردود أفعال الناس على ما جرى ويجري. فقد تجاوزت الأمور أسلوب الكمائن والمكائد والمناكفات بين أطراف اختلفت رؤاها أو باعدت بينها الدروب. فالمشهد المرتسم الآن، هو أن السلطة تسرق دراهم الناس، ثم يقتنص المال المسروق، لصوص راسخون ومُحْدثون،  وجميعهم من عديمي الضمائر، الذين يتشدقون بالوطنية ومشروعها، بينما أشكالهم ستدمر الدولة لو كانت قائمة، وستدمر النفسية الجماعية للشعب لو كان سعيداً وراضياً!

 الهجمة المسعورة الضارية على المجتمع الفلسطيني من السلطات التي تحكم؛ أوقعت في هذا المجتمع، كل أنواع الندوب والجروح الغائرة والآلام. ولعل الفاقة والعجز عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وإنكشاف بؤس الأب أمام أبنائه، ويأس البائع لأبسط السلع من العثور على مشتر، وذلك للمرة الأولى منذ فجر التاريخ، يمثل تكثيفاً للعذاب الجسدي والنفسي الذي يلاقيه سكان غزة والمحرومون والمستلبة حقوقهم والمقطوعة رواتبهم.

وثيقة الصرف الفاجر للوزراء، تحت عنوان أجور السكن، تستفز الحجر. فالممسكون عُنوة ــ في حماية الإحتلال ــ بالمقدرات المتاحة للشعب الفلسطيني، ازداد سعارهم واندفعوا يوسعون هوامش اللصوصية، منذ أن بدأت مجزرة قطع رواتب موظفي غزة وكادرها الوطني، واستمر مع استمرار حصار القطاع كله وإفقار المجتمع وتصفير إقتصاد الغزيين. فأين ستذهب رواتب غزة إن لم يسرقها هؤلاء؟. ولماذا كل هذه القسوة الكافرة؟ الواضح أن وحود هؤلاء اللصوص، في هذه السلطة التي لا تجرؤ على توقيف الجاسوس أشرف الجعبري، يُعد من اللوازم الأساسية لخطة مدبرة، من شأنها التمهيد لتسوية إسرائيلية حقيرة، أسوأ من صفقة القرن، تُجعل القضية موضوع جائعين ومخنوقين، ستفرحهم الإغاثة وتسعدهم التهوية. ولعل من بين المهام المنوطة بعباس، الخانق المحلي المباشر وصاحب المسؤولية الأولى والأخيرة عن الإنهيار الفلسطيني، أن يتولى الرجل ذر الرماد في العيون، بتكرار إعرابه عن رفض صفقة القرن، وإشباعها بالشتيمة بمعيار يزيد عن شتيمته للسفير الأمربكي في أبيه وأمه. فلا ضرر من الرفض والشتائم. فالكثير من الصحفيين الإسرائيليين والكتاب يطرحون آراءهم الرافضة لصفقة القرن والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، ويشتمون ساستهم، في الوقت الذي يؤدون فيه مهام عملهم الإسرائيلي.  المهم أن يلتزم الصديق سياقه الإجتماعي والأمني المضاد لكل شيء يمكن أن يقاوم الصفقة ويزعج الإحتلال. وأصحاب صفقة القرن قالوا مسبقاً إنهم لن يطلبوا من عباس التعاون. فالمهم عندهم أن يلتزم سياقه ويستمر في التدمير. وفي محاذاة ذلك، يتاح للرافض الظريف، أن يفوز هو ووزراؤه بالحياة المترفة على حساب قوت الفقراء وحليب أطفالهم!

فمن ذا الذي سيقول إن هؤلاء هم الشرعية، بعد أن ظهر بطلان كل تعليلات التربح الحرام وظهر زيف اللغة السياسية. صحيح إن السرقة عندما تنكشف، تستفز أكثر من السياسة المخادعة عندما يتبين للأعمى افتقارها الى الصدقية. فعندما يصرف لكا وزير، فوق ما يصرف من رواتب وبدلات، عشرة لآلاف دولار بحجة أنه يستأجر لكي يسكن، بينما هو يمتلك في المدينة أو في الحي الديبلوماسي فيلا أو مسكناً مترفاً، سيشمل الإستفزار عندئذٍ المحتاج والميسور، والإنسان البسيط والإنسان الفطن، والمواطن العادي والموظف المحترم.

ليس  أياً ممن وردت أسماؤهم في القائمة،  في حاجة الى من يعينه على تغطية إيجار سكن،  بل لم يكن أصلاً في حاجة الى أن تمدة الوزارة بسيارة أو تزوده بالوقود، ومعظمهم ممن يمارسون أعمالاً ربحية أخرى، ولهم مصادار إثراء أخرى، ويشترون الأراضي في أريحا وغيرها. فكيف يقبل المخلوق من هذه الأشكال، على نفسه، أن يسرق تحت عنوان بدل الإيجار، لولا أنه من الصنف الذي يهدم الدولة لو كانت قائمة؟ وكيف يساعده على ذلك رئيس الوزراء المسكون بكل الهواجس المرضيّة، إن لم يكن عباس راضياً، ويعتبر مثل هذا السياق سياقه أصلاً؟ ألم يكن هو الذي استمد قوته من تدمير المؤسسات وحشو بعضها بأنماط من فاقدي المناقب والمواهب، لكي لا توضع نقطة واحدة على حرف في أي سياق للتصحيح؟  وبأي معيار يمكن أن يستمر رئيس حكومة مثل رامي الحمد الله، مع كل تلك الأنماط من الفساد، لمدة ست ستوات، ويظل في موقعه من شهر يونيو 2013 الى شهر مارس 2019؟ فلولا أن سياقات الفساد، هي التي تلائم عباس وتلائم الممسكين بعصب السلطة من أفراد الحلقة الضيقة، لما استطاع أن يستمر طوال تلك السنين. ثم أين كانت حركة فتح، في صيغتها العباسية من كل ذلك الفجور على حساب خبز الفقراء؟

لقد أهتز الرأي العام الفلسطيني، في العشر الأواخر من الشهر الكريم، متأثراً بتطيير أوراق الفساد الممنهج. وكل عام وأنتم بخير.

الرابط المختصر : http://fatehgaza.com/p/53450
الوسوم

مقالات ذات صلة