حكومة “التقشف السياسي والمالي”!

كتب: حسن عصفور

وأخيرا حسم رئيس سلطة الحكم المحدود في “بقايا الضفة” محمود عباس، أمره باختيار د. محمد اشتية رئيسا لحكومته، بعد تردد فاق المنتظر، تكليف لأحد أعضاء مركزية فتح (م7)، تجاوبا مع رغبات تركيز مقدرات الحكم في يد الفصيل مقابل حكم حماس الفصيل في قطاع غزة.

تكليف د. اشتية، لم يكن الخيار الأنسب لعباس، لكنه كان “خيار الضرورة المغلقة”، بعد أن فقد رامي الحمد الله كل فرصه ليكون مقبولا من قيادات فتح التي أطلت برأسها في لحظة ضعف خاص بقدرة رئيسها، تعيين أرضى جزءا هاما من فتح، ولكنه أغضب بعضا منهم، وربما بعض مراكز القوى التي بدأت تستعد لمرحلة ما بعد عباس.

ودون النظر لشخصية وزير حكومة عباس الأول، كفاءة وقدرة، فالمسألة التي تستوجب التعامل معها، طبيعة الحكومة وقدرتها على العمل، أو تحقيق ما لم تحققه حكومة رامي، الذي خرج دون “وداع”، بل هناك من “كسر فخارا” خلفه.

الحكومة القادمة، وبعيدا عن الأمنيات، أو ما ورد في النص التكليفي غير المعمول به أساسا من قبل الرئيس المكلف، و”الرد المسيحاني” عليه من قبل الوزير المناط بالتكليف، فالواقع يقول بأنها ستكون أحد أفقر الحكومات المشكلة منذ عام 1994، ورقمها 18، من ناحية سياسية دورا ومشاركة وحضورا، وعلها أكثر الوزارات حزبية بعد حكومة حماس قبل الانقلاب، وبعده، لذا سنكون أمام “حكومة بقايا الضفة” حزبية، مقابل “حكومة حماس في غزة” الحزبية، سواء اعترف البعض أم لم يعترف، لكنها الحقيقة السياسية القائمة.

“حكومة بقايا الضفة”، وقبل التشكيل، أعلن فارضيها من مركزية فتح (م7)، وفي بيانات رسمية وتصريحات صوتا وصورة، بأنها حكومة الحزب الحاكم، وهي من ستقود المرحلة القادمة، بالتعاون مع “فصائل” تقبل بذلك، وواقعيا ستخلو من القوى الرئيسية والمركزية الفلسطينية، وبالتحديد، حكومة بلا فصيلين رئيسيين مؤسسين في الثورة والمنظمة التحرير، هما الجبهتين الشعبية والديمقراطية، الى جانب الحركة المركزية في الساحة الفلسطينية حماس، ومعها القوة المؤثرة والنامية بقوة حركة الجهاد، ومؤشرات لرفض مشاركة حركة المبادرة.

مؤشرات التشكيل تقود الى أنها ستكون حكومة “تقشف سياسي”، محدودة التأثير على المسار الوطني العام، بحكم “المنشأ الحزبي”، وستؤدي موضوعيا إلى تعميق البعد الانقسامي، بكل المخاطر المرتقبة نتاج ذلك، ومنها ارتفاع جدار الفصل الجغرافي – السياسي بين “جناحي بقايا الوطن”، والذي لن يزول بتلك العبارات التي فقدت كل روحها حول الوحدة وتعزيز الصف الوطني.

بالتوازي مع “التقشف السياسي” المبكر لمظهر الحكومة القادمة، فهي ورثت أزمة مالية كبرى، قد تكون أكثر أثرا من تلك التي عاشتها السلطة في ظل المواجهة الوطنية الكبرى من عام 2000 حتى عام 2004، باعتبار أن طبيعة مسبب الحصار والأزمة كان بعدا وطنيا شاملا، ومواجهة شعبية عسكرية لغزوة عدوانية لتدمير مشروع وطني، فيما الأزمة الراهنة تفتقد كل ملامح البعد الشعبي – الوطني، وكان يمكن الالتفاف عليها بعيدا عن “فتاوي مشايخ النفاق السياسي”، فرفض أموال المقاصة كان خطأ استراتيجيا نتائجه المباشرة المساس بمئات آلاف من الفلسطينيين، معركة حاول البعض أن يبحث بها عن “بطولة وهمية”، دون تقدير حقيقي للضرر العام نتيجة خلق أزمة مالية لها بعد سياسي.

ملامح الأزمة التي أشار لها وزير المالية المستقيل، (والذي سيعاد تثبيته لاعتبارات “غير مهنية”، يعرفها الوزير الأول الجديد، وربما كانت شرطا من شروط الموافقة على التكليف)، بأن تسديد العجز المالي سيكون بعمليات اقتراض، دون توضيح كيف يمكن معالجة ما بعد ذلك، وكيفية السداد ومن أين لو استمرت دولة الكيان ذات الموقف، واستمر رفض استلام “أموال المقاصة”…

النتيجة المباشرة لهذا الموقف “البطولي وهميا”، سينعكس على واقع “المناعة السياسية” للشعب الفلسطيني في ظل غياب معركة حقيقية تقودها “حكومة بقايا الضفة”، بل وبهتان حركة الفعل المواجه لدولة الاحتلال ومشروعها التهويدي، واستبدال المواجهة الشعبية الحقيقة بأفعال فاقدة التوازن والتركيز.

 حكومة متقشفة سياسيا وماليا لن تقود مشروعا وطنيا لمواجهة مشروع التهويد، ما لم تكسر كل القيود التي غالبها “صناعي” لإعادة الاعتبار لوحدة المشهد العام، فذلك قرار يفوق قدرة الشخص المكلف سياسيا ومهنيا، لكنه يستطيع أن يحاصر إجراءات الحصار غير المشروع على قطاع غزة، ووقف كل عمليات النيل من عشرات آلاف من أبناء القطاع، وفتح قنوات التواصل مع الجزء الجنوبي من بقايا الوطن…وسبلها ليست مغلقة.

 هل تفعلها “حكومة فتح (م7) وتكسر بعضا من جدر انعزالية تم بناءها لتمرير مشروع شارون الحديث…” تلك هي لحظة الاختبار ودونها سلاما للأمل الوطني العام!

الرابط المختصر : http://fatehgaza.com/p/35679

مقالات ذات صلة