مستشفيات غزة.. طوابير موت مؤجل !!

مستشفيات غزة..  طوابير موت مؤجل !!
  تقارير خاصة

فتح ميديا - ( خاص ) 

اللحظة الحاسمة في مخيلة المريض المنتظر منذ الصباح الباكر واقفاً في ممرات مستشفى الأندونيسي بشمال غزة، ليست هي اللحظة ذاتها التي تسكن مخيلة أي شخص أخر في هذا العالم، فهي بالتأكيد اللحظة التي تسبق صوت الموظف الذي ينادي على رقمه كي يدخل أخيراً على الطبيب .

فالأمر في مستشفيات غزة مثيرٌ لكل أنواع الحزن وتحطم المعنويات بدءاً من الوقوف على شباك الحجز الذي قد يبقى مغلقاً لساعات ووصولاً للدواء الذي يتعذر الحصول عليه في أغلب الأوقات .

والوجوه هنا حكايةٌ لا تحتاجُ منا أن نحملَ ورقةً وقلماً أو جهازَ تسجيلٍ لنرصد المعاناة ونأخذ الأقوال ، الزحام أكبر من أن يُسمعَ صوتُ أسئلتنا ونبرة الاستياء والغضب والوجع تفوق طقوس تقاريرنا وما نرغب بتدوينه على مواقعنا الإخبارية .

على ذلك المقعد الخشبي في مستشفى بيت حانون يجلس أحمد المريض بالتليف الكيسي وأمه ينتظران قدوم الطبيب كي يكتب له نموذجاً يستطيع من خلاله تقديم تحويلة طبية لمستشفى المقاصد بالقدس، على صغره لكنه يحفظ كل خطوات المعاناة جيداً وفي الوقت ذاته يلعب أحمد الببجي بشكلٍ جيدٍ محاولاً أن ينتصر على قسوة الطابور الطويل هنا .

أما النصيب الأكبر من قصص الموت المؤجل تتجلى بوضوحٍ في مستشفى الشفاء بغزة ، حيث مصابي مسيرة العودة التي ضاعفت حجم المآسي وألقت بظلالها المرعبة على مستقبلِ جيلٍ بأكمله ، والإهمال هنا سيدُ الموقفِ، وكلُّ صوتٍ يخرجُ عن صمته يرجع مرتداً لصاحبه ، فلا رقابةَ تعيدُ الحق ولا أذن تصغى إلى المظلومين في طوابير الموت المؤجلة.

في المشفى ذاته قُلبت سعادةُ عائلةٍ بأكملها بعد خطأ طبي أودى بحياة الأم هبة أبو ندى " ٣٤ عاماً"، وهي أم لستة أطفال كانوا على موعدٍ مع طفلٍ جديدٍ ، لكنّ وحشَ الأخطاء الطبية حالَ بينهم وبين هذه الفرحة ، لتطوى قصة هبة كباقي القصص التي سبقتها وتبقى ذاكرة أطفالها وزوجها تنزفُ حزناً أبدياً من بعد فقدها .

وعلى الجانب الأخر معاناةٌ أخرى هي الأولى من نوعها، أطباءٌ بلا رواتب بلا أدنى حقوقٍ لوظيفتهم ومكانتهم وجهدهم ، البعضُ يأتي دون أن يمتلكَ مواصلات وكثرٌ من ضاقت عليهم الدنيا وآلام المرضى في آنٍ واحد .

وبين نقصٍ في الأدوية والمعدات وتزايد حدة الأخطاء الطبية وتكدس الأقسام بالمرضى وعدم قدرتها على استيعاب الأعداد الكبيرة منهم ، يبقى واقع مستشفيات قطاع غزة أكثر ضررا على سكان هذه المدينة من ثلاث حروب مضت ، إذ أن الموت في الحرب حالاً ، والموت في مشافي القطاع مؤجلاً حتى إشعار وجعٍ أخر .

____

ت.خ