لماذا يثور الشعب؟

لماذا يثور الشعب؟
  كتاب وآراء

بقلم : إلياس خوري

من ساحات الانتفاضة في لبنان، سوف أحاول الإجابة على السؤال الذي حيّر الجميع: لماذا يثور الشعب ومن يقود ثورته؟
الجواب على الشق الثاني بسيط وواضح، الشعب يقود نفسه بنفسه، انفجرت شرارة صغيرة في بيروت فأشعلت السهول والجبال. وفجأة توحّدت الشعارات حول شعارين مركزيين: «الشعب يريد إسقاط النظام»، و«كلُّن يعني كلُّن».
كأن أعماق الناس وأفئدتها وعقولها انفجرت دفعة واحدة، وكأننا اكتشفنا أننا لسنا طوائف، بل نحن شعب، أو قررنا أن نصير شعباً، وأن يكون لنا وطن.
الطوائف لا تبني وطناً بل تقيم مزرعة، والطبقة الأوليغارشية التي تحترف النهب لا تؤسس وطناً، بل تصنع مجمعاً للصوص تتناتشه المافيات المختلفة.
الذين اتهموا الانتفاضة بأنها صنيعة السفارات، تكلموا بما خبروه وعاشوه، ولم يُطلقوا الاتهامات جزافاً، إنهم أبناء النظام الطائفي، والطوائف السياسية لا قوام لها ولا قوة إلا بالعمالة للأجنبي.
أن يخرج الشعب في انتفاضة كبرى بلا دعم إحدى السفارات، شيء لا يستطيعون تخيّله؛ لأنهم أصحاب خيال بائس، حدوده هي المصلحة المباشرة. فهم يبيعون أوطانهم وطوائفهم من أجل السلطة والمال. وحين يمتلكون السلطة يتصرّفون كالزعران، لأن السلطة بالنسبة لهم هي وسيلة للنهب وتكديس الثروة.
أما لماذا يثور الشعب الآن؟ فهذا هو السؤال، الذي لا أدّعي أنني أملك جواباً عليه، لكن ما عبّرت عنه ساحات الثورة يسمح لي بأن أقدّم افتراضاً أعتقد أنه يُلامس الجواب.
هل قامت الثورة رفضاً لزيادة الضرائب؟ نعم، ولكنْ.
هل انتفض الناس بسبب الأزمة الاقتصادية؟ نعم، ولكنْ.
هل ثار الشعب نتيجة سياسة تقشفية لا تطال سوى الطبقات الوسطى والفقيرة ولا تمس أصحاب الثروات؟ نعم، ولكنْ.
هل خرج الناس إلى الشوارع ضد خطاب عنصري طائفي أحمق يهدد بالعودة إلى الحرب الأهلية؟ نعم، ولكنْ.
هل ضاق الناس بحكم المصارف الذي ابتلع الاقتصاد المنتج وراكم الثروات من الدين العام؟ نعم، ولكنْ.
هل السبب هو أزمة الكهرباء ونهب الأملاك البحرية وتحطيم البيئة؟ نعم، ولكنْ.
هل هو الفساد والإفساد، وهل هو التعليم الذي صار حكراً على الأغنياء، بينما التلاميذ في زرائب المدارس الرسمية؟ نعم، ولكنْ.
«لكنْ» هي سرّ الانتفاضة.
كيف نحلل هذا الحرف المشبّه بالفعل، ونكتشف كيف تحوّل من حرف إلى فعل؟
تقول «لكنْ» إن المجتمع اللبناني وصل إلى القعر، مجتمع مهدد بالانحلال والاندثار، وشعب مهدد بالفقر والجوع والهجرة.
المجتمع اللبناني يخوض معركة الدفاع عن وجوده، إنها معركة البقاء. ننظر حولنا فلا نرى سوى الخراب المادي والروحي.
ثار الناس كي يستعيدوا إنسانيتهم وحريتهم، ويدافعوا عن بقائهم.
الدفاع عن البقاء هو المقدّس الإنساني الوحيد. لم يكن أمام هذا المجتمع سوى أن ينتفض بكل طبقاته الفقيرة والمحرومة، بأساتذته وطلابه، بعماله وبالعاطلين عن العمل، بشاباته وشبانه من أجل الدفاع عن بقائه.
لكن كيف ينتفض شعب قسّموه بالطائفية، وأذلوه بالترهيب، واغتالوا نخبة من مثقفيه، وقمعوه، ولفقوا ضده التهم؟
كيف يصنع شعب وحدته وقد سجنوه في طائفية مسيّجة بالسلاح؟
كيف يجرؤ الناس على تمزيق هالات القداسة المزيفة التي أحاط بها زعماء الطوائف أنفسهم؟
لم يكن أمام اللبنانيات واللبنانيين، من أجل الدفاع عن حقهم في البقاء، سوى أن يثوروا، وأن يكتشفوا ألف باء الثورة، فالثورة تبدأ بالثورة على الذات، أي بالثورة على ثقافة الطوائف.
لم تعد الزبائنية الطائفية وسيلة لامتصاص النقمة، ورشوة الناس. فلقد أفلست الدولة على أيدي زعماء الطوائف الذين نهبوا كل شيء، وقادهم صلفهم وعنجهيتهم إلى الاقتناع بأنهم يستطيعون صرف الانتباه عن الجوع والفقر والإذلال بشعارات طائفية عنصرية، اشتركوا جميعاً في ترويجها، رغم أن زعامة الخطاب العنصري الأرعن استحقها صهر العهد ووزيره، عن جدارة.
لم يكن أمام اللبنانيات واللبنانيين كي يدافعوا عن حقهم في الوجود سوى أن يخلعوا الطائفية من نفوسهم، ويثوروا على ثقافة التفاهة.
بدأت الثورة حين توحدت المناطق والساحات، صارت النبطية في طرابلس وصارت طرابلس في جل الديب، وقاومت ساحتا الشهداء ورياض الصلح زعران العصي والتشبيح والصراخ الطائفي، الذين تمرجلوا على الشابات والشبان العزل، وسط التبريرات المثيرة للاشمئزاز، التي استخدمتها وزيرة الداخلية.
بدأت الثورة حين تصدرت النساء القيادة.
بدأت الثورة حين امتزج الغضب بالفرح، غضب على قوى السلطة الغاشمة، وفرح لأننا اكتشفنا أننا نستطيع أن نصير شعباً.
هذه الانتفاضة الثورة هي بداية تأسيس جديد لوطن مؤجّل وناقص اسمه لبنان.
أما الثورة المضادة التي تعد العدة للقمع والتآمر، فإننا نقول لها إنها محكومة بالفشل، حتى لو امتلكت كل الأسلحة.
فالشعب الذي يعي اليوم أنه شعب واحد ويثور من أجل بناء دولة العدالة الاجتماعية والمساواة والعلمانية، هو شعب لا يمكن قهره.
من ساحات الانتفاضة في لبنان أرى الألم العراقي، وأقول مع شاعر العراق العظيم الجواهري، الذي رأى جيلاً جديداً ينهض من اليأس:
«سينهضُ من صميمِ اليأسِ جيلٌ/ عنيدُ البأسِ جبارٌ عنيدُ/ يقايضُ ما يكونُ بما يُرَجّى/ ويعطِفُ ما يُرادُ لما يريدُ».