فاروق مواسي.. قبطان اللغة والأدب العربي في فلسطين

 فاروق مواسي.. قبطان اللغة والأدب العربي في فلسطين
  ثقافة وأدب

فتح ميديا - متابعة

 

فاروق مواسي كشاجم فلسطين كما سمته مجلة «الحصاد» المحتجبة، تيمنًا بالشاعر الرملي كشاجم، المنحوت اسمه من كاف الكتابة، وشين الشعر، وألف الإنشاء، وجيم الجدل، وميم المنطق (أو المنجم)، وأحد أبرز الأساتذة الموسوعيين في فلسطين، يترك ريشته ومحبرته وورقته الأخيرة المسفوحة بحبر الروح ويرحل. هذا الأديب والمحاضر الأكاديمي الفلسطيني ابن باقة الغربية الواقعة في المثلث، لم يكمل بعد دورة العقد الثامن، غيبه الموت وهو في أوج العطاء، تاركًا وراءه إرثا ثقافيًا كبيرًا، في حقول الدراسات النقدية واللغوية، وعلم الصرف والنحو ونتاجًا ثريًا في الشعر والقصة القصيرة والترجمات والسيرة الذاتية، إضافة إلى مكتبة جامعة غنية بالدراسات والمجلات والكتب النادرة.
خسر الأدب الفلسطيني المعاصر علمًا ومرجعًا أدبيًا ولغويًا، وباحثًا وأستاذًا أكاديميًا فذا، تخرجت أجيال وقوافل من المعلمين والباحثين على يديه، كما ترك بصمات كبيرة ًوإضاءاتٍ مهمة في أبحاثه في الأدب الفلسطيني بشكل خاص والأدب العربي بشكل عام، مثل «الرؤيا والإشعاع دراسات في الشعر الفلسطيني»، «القدس في الشعر الفلسطيني الحديث»، «محمود درويش قراءات في شعره»، «صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا»، «لغة الشعر عند بدر شاكر السياب». كما يعتبر كتاباه «الجنى في الشعر الحديث» و»الجنى في النثر الحديث» البوصلة الأولى التي أهدت معلمي اللغة العربية إلى تفكيك وتمحيص وفهم النصوص التدريسية لطلبة الصفوف الثانوية، وكان له حضور طاغ ومميز في المؤتمرات الأدبية الدولية والمحلية، والنشاطات الثقافية والورشات المدرسية الإبداعية والمناسبات الاجتماعية والسياسية وفي وسائل الإعلام، فقد كان مشحونًا بالنشاط، ومسكونًا بحب العطاء لرواد العلم وطلبة الجامعات. وكان صوتًا جريئًا في الدفاع عن اللغة العربية والأدب العربي في جميع المحافل، أمام سياسة تهميش وإقصاء اللغة العربية وتشويهها من قبل المؤسسات الإسرائيلية، وشكّلت كتاباته مشكاةً لأبناء شعبه.
هذا الغواص اللغوي وقارئ أمهات الكتب، يترك حديقته الأدبية الفواحة ويرحل بعيدًا، تاركًا فراغًا وشرخًا في الثقافة الفلسطينية. هذه الديمة السكوب منحت شآبيب الحياة للغة الضاد في زمن التغييب والإقصاء من المؤسسة الحاكمة، وزمن القفر والجدب، واستبدالها بالشيفرات الإلكترونية والإشارات الفيسبوكية من قبل أهلها اليَعْرِبيين. عدا الكم الهائل من المؤلفات التي تركها فاروق مواسي، والتي تعادل ثلثي عمره، والتي أَثْرَتِ المكتبة الفلسطينية، فقد امتاز بأسلوب الدعابة والهمز واللمز الساتيري بشخصية «أحمد منير « التي نحتها واختفى وراءها قناعًا، في زاوية أدبية في صحيفة «الاتحاد « الحيفاوية، وجعلها سَوْطًا أدبيًا جريئًا ولاسعًا لنقد الأدب الفلسطيني المحلي، شعرًا ونَثْرًا، بما فيه نتاجَه وشخصيته، ما أثار حفيظة الكتّاب والشعراء الذين اجترحوا المديح والإطراء دينًا ودَيْدَنًا، وهذه الزاوية تشكل تعريجةً مهمةً، بل غِرْبالًا لغَرْبَلَة القمح من الزؤان في الأدب الفلسطيني المحلي، وقد أثرت على سيرورة الكثير من الكتاب أو المتطفلين على الكتابة.
عاش محتفيًا بالفرح وعشق الشعر واللغة، فغاص بين أمهات الكتب وغرف جرارًا سفحها في بئره المترعة بماء المزن. لن أتحدث عنه بالماضي في رهبة الموت وغياب الجسد والرحيل الكاوي، فالروح تسكن اللغة، التي نقش من حروفها بيوتًا مضيئةً وقصورًا مرمريةً، وخيامًا أصيلةً مضيافةً. الذكريات صدى السنين الحاكي كما تشدو «كنارة صنين» المطربة فيروز، لكن الماضي يهزم أمام ديمومة الحاضر السرمدي. وهذه شذرة من ذكريات الزمن الجميل معه، ما زال عطر أماسيها يضوع في نسيج الذاكرة، كان ذلك زمن الحصار على المناطق الفلسطينية عام 2004، وحظر التجوال مفروض فيها، إبان انعقاد «مؤتمر جبرا إبراهيم جبرا» في
جامعة بيت لحم.. تسللنْنا معًا بسيارتي إلى جامعة بيت لحم، وشاركنا في المؤتمر بنهاراته الحافلة بالأبحاث والمحاضرات، ولياليه العابقة بالطرب والأحاديث والنوادر والمطارحات الأدبية، رغم الطوق… وتوالت مشاركتنا معًا في مؤتمرات جامعة بيت لحم الأثيرة، أعرج على بيته في باقة الغربية للسفر بمعيته إلى هناك، وضحكاتنا الممهورة بالدعابة «الفاروقية» تشق الأجواء، وتخفف متاعب السفر.
كان بشوشًا، شغوفا بالحياة، ومحبا للناس. نحت من البسمة والدعابة جسرا للعبور إلى القلوب، لا وزن للعمر في قاموس الصداقة معه، فتأشيرة الدخول إلى محرابه كَوْنية ومتاحة للجميع، بدعابة «فاروقية « مميزة.
ما أحوجنا إليه مرجعًا لغويًا، وموسوعةً أدبية في زمن يعج بالألقاب الأكاديمية، والجوهر في الغالب صحراوي كحال القائل «أسمع جعجعةً ولا أرى نقيرًا». كان صلبًا في رأيه اللغوي والأدبي، غيورًا على اللغة والأدب، مشاكسًا حتى النخاع أمام كل هفوة أو سقطة، لا بل محاميًا أدبيًا ولغويًا، في زمن ضاعت فيه اللغة، بعد أن ضاءت في أحنائه. شجرة باسقة مثمرة وارفة الظلال، اقتلعت من حديقة الأدب العربي الحديث، وطاقة زهور ذبلت في قاموس اللغة العربية. لكن العزاء في نخاريب النحل التي سال بها يراعه، وكما كتب جبران خليل جبران في رحيل الروائي جورجي زيدان:
« لا تعطوا الرجل العظيم بل خذوا منه هكذا تكرمونه».
( كاتب فلسطيني )