بعد أن سئمنا التسريبات

بعد أن سئمنا التسريبات
  كتاب وآراء

بقلم : عدلي صادق

فتح ميديا - خاص

 

  كنا في هذا البرنامج، قد تناولنا بالنقد، تصريحاً لجبريل الرجوب، تضمن نقداً غير متوازن، وطرحنا رأينا مذيلاً بتوقيع كاتبه، وبالإنابة عن تيار فتح الإصلاحي. فلم تعد أمورنا تحتمل الأقنعة والتسريبات والفبركات، ولا تتقبل المزاعم والتشاطر بادعاء شيء والعمل عكساً. فقد ولى ذلك الزمن الذي اتيح لنا فيه، التشاطر ومداراة العورات، بقوة دفق العمل الوطني وحضور جماهيره ودماء شهدائه. اليوم، لا دَفَقَ للعمل الوطني، ولا حضوراً جماهيرياً يوالي ويدعم قيادات الأمر الواقع. أما الشهداء والراحلون بعد حياة نضالية، فيغادرون دون اهتمام من القادة بوقائع موت الغالبية العظمى منهم. لذا يتوجب على الممسكين بمقاليد الأمور أن يتوضعوا، وأن يكفوا عن اللعب بالورقات الثلاث، وأن يقتنعوا بأن لا جدوى من الفبركات والتسريبات والذباب الإلكتروني ولا من عرض الخلافات على الرأي العام.

يجدر النتبيه كذلك، الى أن منطق فرض القيادات على الشعب الفلسطيني على مدى زمني طويل أو قصير؛ كان السبب النفسي الذي أوصل الناس يأساً، الى مربع الحديث عن حل الدولة الواحدة، وهو حل وهمي وملهاة مستحيلة.

ما يُقال إنها رسالة من ماجد فرج الى أعضاء "المركزية" و"الثوري"، ليست إلا سطوراً تروي حكاية سخيفة، قوامها شكوى من ثلث لجنة المصالحة، ضد ثلث آخر، ومع بقاء الثلث الأخير بيد عزام الأحمد، الذي ظل صامتاً، لأنه اعتاد على حمل القفف لا الأثلاث. وفي مضمون الرسالة، هناك كلام من النوع الذي تصرّح "المقاطعة" بعكسه. بل إن عباس، ربما قد تحضر لإلقاء خطبة تصالحية عصماء، في مهرجان شعبي مرتجى، لا يمكن أن يتاح له في غير غزة!

 ما جاء في الرسالة المسربة أو الملفقة، يمثل استطراداً لتلك اللعبة التي سئمها الشعب الفلسطيني، وهي أن تتوزع الأدوار على جانبي الخصومة، ثم يؤخذ الخلاف داخل الفسطاط الواحد، مع المحاذير في كل جانب، ذريعة لإبقاء الحال على ما هو عليه.

النقاط الوحيدة التي تستحق التعليق في رسالة ماجد فرج، المسربة أو المدسوسة عليه؛ أن الحديث يجري عن "قيادات خذلت ربعها" والمقصود بهذه الإشارة جبريل الرجوب الذي تسهب السطور في الحديث عن "سلوك شاذ للرجل ينشأ عنه تقارب مع الفصائل الأخرى بعيداً عن شروطنا". ثم يقال في الرسالة إن هذا الذي ينشأ "يسبب لنا الحرج مع الإدارة الأمريكية ومع أصدقائنا في المجتمع الإسرائيلي".

  مغالطات هذه النقاط فادحة وكاشفة، ونتمنى أن تكون ملفقة ومدسوسة على ماجد فرج. فإن كان أمين سر لجنة عباس المركزية، قد ارتكب فعل الخذلان، ما اضطر رئيس جهاز المخابرات الى التشكي، فما الذي يعنيه هذا الوضع تنظيمياً، سوى أن حركة فتح التي يتحدث عنها كاتب الرسالة، باتت في حال التفكك والفوضى وفقدان التوافق على خيار سياسي ووطني واحد؟

 ولكي نضع الأمور في نصابها بروح رياضية، ودون حرج وبلا داعٍ لإزعاج أحد، نسأل: من هي هذه القيادات وما هي المسوغات الشعبية لتوصيف نفسها بأنها قيادات؟ فلو كان جبريل الرجوب، أو ماجد فرج، وكل منهما يهتم بإظهار عنفوانه، يؤدي زيارة الى برلمان تشاد أو غينيا بيساو أو النيجر، وسئل أحدهما متى انتُخبت من شعبك؟ أو متى انتُخبت حكومتك؟ وأين برلمان بلادك المنتخب؟ فكيف سيرد؟! أصلا هذان الرجلان، لن يتمكنا من طرح مجرد مقاربة كالقول إنهما انتخبا قبل أربعة عشر عاماً، مثلما سيكون بمقدور عباس ونواب "تشريعي" 2006 . وربما بمقدور الرجوب أن يقول إنه دخل السباق الإنتخابي ولم يحالفه الحظ، وهذا ليس كافياُ!

  نحن نتحدث بالمنطق، وندعو الى الدخول جدياً في المصالحة وإنهاء الإنقسام، فمن خلال التمكين للإرادة الشعبية، واستعادة المؤسسات، سيتاح للطامحين أن يطمحوا بالتفويض الشعبي. 

أما أن يقول كاتب الرسالة، إن جبريل الرجوب، يريد إقامة العلاقة مع الفصائل من "دون شروطنا" فهذا أمر عجيب يُفاجئنا بأننا لا زلنا في مرحلة الإشتراطات لإنجاز المصالحة. وفي الحقيقة هذا عيب، ليس بسبب أوزان الفصائل، وإنما بسبب حقائق الحال الفلسطينية كلها، التي لم تعد تتيح لأي طرف الإحتفاظ بوزنه، لكي يشترط.

  كاتب الرسالة المسربة أوقع نفسه في الزلل المردود عليه باتهام. فكيف يخشى الحرج مع الإدارة الأمريكية بينما القول يتكرر يومياُ، بأن السلطة تقاطع هذه الإدارة؟ وكيف يخشى الحرج مع "أصدقائه في المجتمع الإسرائيلي" بينما حكومة إسرائيل لا تخشى حرجاً أمام هذا الصنف من مواطنيها، وهي تمارس باسمهم كل السفالات؟

لا ننازع أحداً في أوهامه، وإنما نذَكّر بضرورة ألا تتسبب الأوهام في استمرار البلاء الذي نحن فيه. وبشكل عام، ندعو الى التصرف بعقلانية والى الإقتناع بأن إنهاء الإنقسام هو أول الخطوات في اتجاه مقاومة مخططات الإحتلال، على أن يأخذ الجميع بعين الإعتبار أن "القيادات" التي تتحدث عنها الرسالة، لا تزال في ناظر المؤرخ، فاقدة لأوزانها، مطعوناً في مقاصدها، وراسبةً تماماً في كل الإختبارات. أما نحن، فقد سئمنا التسريبات

 

-----

لبرنامج همزة وصل على قناة الكوفية.