أبو علي شاهين" في ذكرى رحيله السادسة: كيمياءٌ دائبةٌ لم تزل

أبو علي شاهين" في ذكرى رحيله السادسة: كيمياءٌ دائبةٌ لم تزل
  حصاد الأسبوع

فتح ميديا - 

ستة  أعوام مضت على رحيل القائد المفكر "أبو علي شاهين شيخ المناضلين وأبو الثورة والثائرين، ففي الثامن والعشرين من ابريل عام 2013 توفي القائد الفتحاوي الكبير عبد العزيز شاهين الشهير بأبو علي، بعد أن دخل في غيبوبة بمشفى الشفاء بمدينة غزة عن عمر يناهز الثمانين عاماً، وكان شاهين يعاني منذ أشهر من توقف جزئي لعمل الكبد، ما أدى إلى تدهور صحته بصورة سريعة واستدعي نقله للمشفى أكثر من مرة.

ونقل القائد الفتحاوي للعلاج بالخارج أكثر من مرة لكنه طالب بالعودة لقطاع غزة ليدفن فيه، رافضا الموت خارجه.

دأبنا على التحدث عمَّن يفارقوننا بصيغة فعل الكينونة الماضي الناقص، لكنّ "أبوعلي" فعلٌ تام، لم تنقصه برهةٌ واحدةٌ في الغياب، لم تذهب من دقات قلبه واحدةٌ سدى، ينام ولا ينام، أبو علي كيمياءٌ دائبةٌ لم تزل، مسكوناً بيقين الفصل الأخير من صراع يتذوقه بقلبه ويرى مآلاته، ويقطر حموضةً من سيرورته، يعرف أبعاده، ويعرف الطريق إليه، لذا فهو يوزّع روحه جمرةً جمرة وينثرها على مساحات الجغرافيا والديموغرافيا، هو من أولئك الذين ينتشرون في القلوب، ويعرفُ كيف ينسج مواله ويغزل نسيجه، ويضع بذرةً في كل قلب، بإحساس الاستراتيجي الذي يدرك أن الطريق طويل وأن الاختصار مخلٌّ بالنهايات، الطريق طويلٌ نعم، ولكنّ النصر قريب، تلك هي أحجية القادة التاريخيين، ولا أحد يعرف كيف إلا أمثالهم، يمنح كلَّ من يقابله سرّاً منه حتى ليظنّ أنه له وحده، يفتلُ حبلاً يصله بقلبه، ويظلُّ مشدوداً له وبه، كلُّ من قابله له حظٌّ منه، هكذا يوزّع ذاته على شعبه، ويبذر سهوله، فالغدُ خصبٌ، والشهادة أن تؤديَ الأمانة، وألا تموت كما يموت البعير.

مشرع القلب، يَدخل من يشاء، ومشرعُ الفكرة واضحةً كالليل، ومُشرَعٌ بيانُه، تلقائيته هي جدّيّته الناجزة، وبداهته اطمئنان صدقه، وعدالة جرحه، فيه ما في أولئك الذين عرفوا أن فلسطين أوسع من الأرض وأطول من التاريخ، فاكتست لهجتَهم موسيقى الإنسان والغزلُ والكتبُ المقدسة، ولدى هؤلاء فإن الكبرياء والعنادَ يأخذان شكلاً مطمئناً من الابتسام، وللغرور طعمٌ جميل، يعرفُ ما يريد، ويعرف الطريق إليه، شبيبةً وأملاً وزعتراً ومناضلين، شعبٌ يطلب وطناً، يتحوّلُ إلى وطن، لكلّ اللاجئين، كلُّ فلسطينيّ يستطيع أن يدقَّ قلبه، كما يدقُّ باب داره وقتما شاء واثقاً من احتضان أبو علي، الوطن الآب والإبن، وفي سيرته أنه نهض من بين المجازر وقام من بين الأموات، وفي سيرته أنه كان في زنزانته وحيداً كالأنبياء، وفي سيرته أنه كان يلمّ الأشياء والأشلاء، ويعيد رسم الخريطة.

في مثل حالتنا تعوّدنا أن نعدّدَ مآثرَ الراحلين، ونخطُّ أمدوحتهم ونستعرضُ سيرتهم الذاتية، أمّا في مقامنا هذا فإننا أمام حالةٍ راهنةٍ متفاعلةٍ، كأنه احتاط لهذه البرهة وأخرج ورقته التي يراهن عليها، نحن أمام حالة، وليس أمام شخص، قليلون هم أولئك الذين يصيرون حكايةً شعبية، حين يمتزجون بيوميات الناس ويهبونها مذاقها الأول، يشافهونهم بلا تنظير، يراوغون نزقهم ويدللون جرحهم، ويوْدِعون رصيدَهم فيهم، يكرّزُ في البرية بصوته الحافي مثل يوحنّا المعمدان، يوزّعُ خبزه وذاته على الشعب ويكتب الأبجديّة، هكذا يكون فيهم صيرورة، وامتزاجاً ومزاجاً، من منا لا يروي حكاية عن "أبو علي"، الذي رغم صيرورته الذاتية المفعمة بعناوين المعاناة والسجن والمأساة الذاتية والعائلية فإنه كان يطفح بالحياة ومحاباة الإنسان وفيض الخاطر وأناقة الأشياء الصغيرة، غليونه عكازه لوحاته ومنمنماته وقنوات فكره على الثقافات التي نختزن جذورها في جذورنا، فلسطين عنوان الكون والمسيح فلسطيني، وحين تتعدد رواياتنا ستكون روايتُه، سيقال كثيراً "قال أبو علي"، ووقتها سنعرف أنه حكاية شعبية، مثل أولئك الذين تغلغلوا في مزاج الناس البسطاء الذين باسطهم فباسطوه، وتشرّبوه وتمثّلوه وهضموه وحكُوه .. حكاية شعبية، الشعب هو الوحيد القادر بجبروت بساطته على صنع ملامح أبطاله، ورواية الشعب غيرُ قابلة للنقض، والرواية الشعبية هي التي ينسجها ملايين الصاغة والكتاب، ويصبغون ألوانها وطعمها، تماما كالنديم وبيرم وأدهم الشرقاوي، فمنذ اليوم الأول الذي منحهم ذاته أصبح ملكَاً حصريّاً لهم.

 

ـــــــــــــــــــــــــ

م.ع